وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
( 10 )
( سورة الرحمن )
فقد جعل اللّه الأرض متضعة مسخرة مذللة للإنسان ، والأرض هي أي أرض ، والأنام هم كل الأنام . وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ويجعلها قضية كونية اجتماعية ، سيظل العالم في فساد وشقاء . فالذي يجعل الحياة في الأرض فاسدة هو خروج بعض الآراء التي تقول : إن الكثافة السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما . يقولون ذلك في حين أن أرضا أخرى تحتاج إلى أيد عاملة ، ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب ، فأرض في بلاد تحتاج إلى أناس ، وأناس في بلاد يحتاجون إلى الأرض .
ومن الواجب أن تسيح المسألة فتأخذ الأرض التي بلا رجال ما تحتاجه من الرجال من البلاد التي لا أرض فيها . وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون اللّه أرض بلا رجال ورجال بلا أرض ، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر ، ولو كان الأمر كذلك لسعدت البشرية ، ومن ينقض هذه القضية فعليه أن يعرف أنه يأخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها ، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلا في الكون . وما دام قد اعتبر نفسه أصيلا في الكون فهذا هو الفساد :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً
( 97 )
( سورة النساء )
إذن ، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعليه أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير ؛ لأن اللّه قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة ، أمّا الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم من يقول عنهم الحق في الآية التالية :