تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2578

مساهمون:

ص٢٥٧٨
الذين ظلموا أنفسهم :
« قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ »
. وباللّه عندما يحكى لنا اللّه هذه الصورة التي تحدث يوم القيامة فهل سيكون عندنا وقت للاستفادة منها ؟ . طبعا لا ؛ لأنه لن يكون لنا قدرة الاستدراك لنصحح الخطأ . والحق حين يقص علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا ، وتنبيه لكل منا : احذروا أن يأتي موقف ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل الطيب . وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الآن .
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ »
وكلمة
« كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ »
تفيد أن قوما استضعفوهم ، أي أنهم لم يكونوا قادرين على الخروج والهجرة ولا يعرفون السبيل إليها ، وخافوا على أموالهم وديارهم ، والقوم الذين استضعفوهم قالوا لهم : إن خرجتم لا تأخذوا شيئا من أموالكم . هذه هي بعض مظاهر الاستضعاف . وهنا تقول الملائكة ما يفيد أن هذا الكلام لا يليق ولا ينفع ، تقول الملائكة :
« أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها »
. وكأن هذا تنبيه آخر ، وإعلان أن مثل هذا القول ومثل تلك الحجة لا قيمة لها ؛ لأن الذي يمسكه مكانه وماله دون اللّه إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب . أما الذي يضع منهج اللّه فوق مكانه وولده وكل شئ فهذا هو الذي وثق باللّه لأنه هو المسبب وهو مانح ومعطى الأسباب .
« أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها »
وهذا القول على لسان الملائكة قادم من القانون الأعلى ، فقد خلق الحق الخلق جميعا وأسكنهم في الأرض ، وهذه الأرض ليست لأحد دون أحد ، فمن يضق به مكان فليذهب إلى مكان آخر . وإذا كان الإنسان من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديدا للمكان ، فلا ينتقل إنسان من مكان إلى مكان إلا بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون الانتقال من مكان إلى مكان ، فذلك مناقضة لقضية الخلافة في الأرض ؛ لأن الخلافة لم توزع كل جماعة على أرض ما . ولكن الإنسان ، كل إنسان خليفة في الأرض كل الأرض ، مصداقا لقول الحق :