ويأتي بعد ذلك الحوار :
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
( 28 )
( سورة المائدة )
ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
( من الآية 30 سورة المائدة )
كأن هناك صراعا في نفس قابيل بين أمرين « اقتل » و « لا تقتل » ، النفس الإيمانية تقول : « لا تقتل » والنفس الشهوانية تقول : « بل عليك أن تقتل » .
وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه ، ومهدت له ذلك . وبعد أن قتل أخاه ، وضاعت شرّة الغضب صار من النادمين ، ثم بدأت الحيثيات تظهر وتتضح . ويبعث اللّه غرابا يبحث ويحفر في الأرض ليوارى جثة غراب آخر . هنا قال قابيل :
أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي
( من الآية 31 سورة المائدة )
وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع اللّه للنفس لينفعها نفعا أبديا مستوفيا ، ولكن النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات وتمنيها للنفع العاجل الذي لا خلود له ، وعندما يحقق الإنسان هذا النفع العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه .
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ »
إذن فالملائكة تسأل ظالمي أنفسهم :
« فِيمَ كُنْتُمْ »
أي في أي شئ كنتم من أمر دينكم ؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع أي لماذا ظلمتم أنفسكم ؟ ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم وهاجرتم وانضممتم لموكب الإيمان وموكب الجهاد ؟ . ، ولماذا ظللتم في أماكنكم محجوزين ومحاصرين ولا تستطيعون الحركة ولا تستطيعون الفكاك ؟ وتكون إجابة