تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2563

مساهمون:

ص٢٥٦٣
« تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ »
والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها ، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها ، مثال ذلك : أنّ الإنسان يكون سعيدا إذا ما ملك غداءه ، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء ، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيته شهرا أو عاما ، ويكون أكثر إشراقا عندما يمتلك أرضا يأخذ منها الرزق ، ويمتلكها أولاده من بعده . إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه ، ويحب امتداد حياته في غيره ، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد ؛ فهو يعرف أنه ميت لا محالة ، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه ، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر ؛ لأن ذكره يوجد في جيلين . ونقول لمثل هذا الإنسان : لنفرض أنك ستحيا ألف جيل ، لكن ما ذا عن حالتك في الآخرة ، ألا تنشّىء ولدك على الصلاح حتى يدعو لك ؟ ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم ، ويكشفها أمام صاحبها ، فيأتي بالحكم الذي يظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم . وعندما أراد سبحانه أن يحرم دخول المشركين البيت الحرام ، وسبحانه يعلم خفايا النفوس ؛ لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادى يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها وربحها طوال العام . وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام ، يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة ، فقال :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
( من الآية 28 سورة التوبة ) وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم : وكيف نعيش ونصرف بضائعنا ؟ ، يتابع سبحانه :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
( من الآية 28 سورة التوبة )