الكون لا يتم بناؤه على الإنسان ؛ فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول .
والعرض بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحا أو سقيما ، هنا تكون الصحة عرضا وكذلك المرض ، وكذلك السمنة والنحافة ، ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير من أبيض إلى أسمر ، وكذلك الغنى والفقر . وكل شئ يمكن أن يذهب في الإنسان ويجئ هو عرض بالنسبة للإنسان ، ويكون الإنسان جوهرا بالنسبة له . فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه ، فالإنسان عرض ، فهذا أمر نسبى ، وإلّا فكل شئ عرض ، وكل شئ زائل
« وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » .
« وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا » .
وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقى السّلام ، وقد يكون عرض الحياة الدنيا - هنا - هو كبرياء نفس الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء .
وعندما نجد كلمة « عرض » وهذا العرض في « الحياة الدنيا » نفهم - إذن - أنه عرض فيما لا قيمة له . ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شئ كان عنده ، وينسى الإنسان أنه هو شخصيا معرض للموت ، أي للذهاب عن الدنيا فيقول :
نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة * فكيف آسى على شئ لها ذهبا
وكذلك عرض الحياة الدنيا . ونفهم كلمة « دنيا » على أساس الاشتقاق ، فهي من « الدنو » ومقابله « العلو » ومقابل « الدنيا » هو « العليا » . ومن يقوّم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة ؛ لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقى إليه بالسلام ؛ لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها . والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها ، ولا يأخذها من إنسان مثله ، فالحياة الدنيا لا تنفعه ؛ بدليل أنه معرض للقتل .