أعماقهم ازدادت حيرتهم . فالفتنة هي اختبار ، وليست الفتنة شيئا مذموما ، وعندما يقال : إن فلانا في فتنة فعلى المؤمن أن يدعو له بالنجاح فيها ، فالفتنة ليست مصيبة تقع ، ولكن المصيبة تقع إذا رسب الإنسان في الفتنة .
ونعلم أن الفتنة مأخوذة من الأمر الحسى ، فتنة الذهب وكذلك الحديد : فتنة الذهب هي صهر الذهب في البوتقة حتى ينصهر ؛ فتطفو كالزبد كلّ العناصر الشائبة المختلطة بالذهب ، وكذلك الحديد ، يتم صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض . ويطفو الخبث .
ونعرف أن الحديد أنواع : فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر . بينما نجد الحديد الصلب بلا خبث فهو صلب . وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن الغريبة المختلطة به . ونقلت كلمة « الفتنة » من المحسات إلى المعاني ، وصارت الفتنة هي الاختبار الذي ينجح فيه الإنسان أو يرسب ، فهي ليست ضارة في ذاتها ، ولكنها ضارة لمن يرسب فيها .
وهكذا كان تنبؤ القرآن الذي يخبر المسلمين بأمر قوم على حدودهم ، تجعلهم الفتنة لا يقوون على الإيمان ، أي فكلما دعاهم قومهم إلى الشرك وقتال المسلمين ردّوا على أعقابهم وانقلبوا على رؤوسهم أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرّا من كل عدو عليكم ، ويشرح القرآن كيفية سلوك المؤمنين تجاه هؤلاء المرتكسين والمنقلبين في الفتنة :
« فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً »
ونلحظ أن الحق أمر بتأمين من لجأوا بضعفهم على الرغم من نفاقهم إما إلى المسلمين وإما إلى حلفاء المسلمين حين قال في الآية السابقة :
فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
( من الآية 90 سورة النساء )
وهذا إنصاف وتنبيه إلهي من الحق ألا يسمع أحد صوت حفيظته ويفترس قوما ضعفاء . أما الذين يحاولون التمرد والاستسلام لصوت الكفر وإيقاع الأذى بالمسلمين ، ولم يلقوا بالسلم للمسلمين ويكفوا أيديهم عنهم ، هؤلاء يأتي فيهم الأمر الإلهى :