وعين الحق لا تقتصر على ما نعرف ، ولكنها تتعدى إلى أدق التفاصيل ؛ فهي عين لا ترى ما عرفناه فقط ولكنها تكشف لنا الحجب التي لا نعرفها ، فيقول سبحانه :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 91 ]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 91 )
تبدأ هذه الآية بفعل يتحدث عن المستقبل :
« سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ » .
معنى ذلك أن المسلمين لحظة نزول هذه الآية لم يكونوا قد وجدوا مثل هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم الحق ، ولو لم يحدث للمعاصرين لنزول القرآن أن وجدوا مثل هؤلاء ماذا كانوا يقولون عن هذا الخبر ؟ . لو لم يجدوا مثل هؤلاء القوم لتشككوا في القرآن . وسبحانه يوضح أنى عين معكم ، وعين لكم ، أخبرتكم بما حدث واختلفتم فيه ، وأخبركم بما لم يصل إلى أذهانكم وعلمكم فلا تختلفوا فيه ، وهذا دليل على أنكم في رعايتى وفي عنايتى .
« سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ »
وهؤلاء القوم هم قوم من بنى أسد وغطفان ، وكانوا على مشارف المدينة ، وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون : « نحن معكم » ، وكانوا أيضا يقابلون الكفار فيقولون : « نحن معكم » ، والحقيقة أنهم عاجزون عن مواجهة أي معسكر . ولذلك يصفهم القرآن :
« سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها » .
وهؤلاء كلما جاءهم الاختبار
« أُرْكِسُوا فِيها »
. أي فشلوا في الاختبار ، فعناصرهم الإيمانية لم تقو بعد ، وما زالوا في حيرة من أمرهم . وعندما جاءتهم الفتنة لتصهرهم وتكشف ما في