وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور الإيمان على عينه ، وساعة يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة ، فقال :
« فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ »
.
والخطاب موجه للجماعة المسلمة ، فقوله : « فمالكم » يعنى أنهم متوحدون على هدف واحد ، وقوله : « فئتين » تفيد أنهم مختلفون .
إذن ف « فئتين » تناقض الخطاب الذي بدأه الحق ب « فمالكم » ، كأن المطلوب من المتلقى للقرآن أن يقدر المعنى كالآتى : فمالكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين ؟ إذن فهذا أسلوب توبيخى وتهديدى ولا يصح أن يحدث مثل هذا الأمر ، فهل ينصب هذا الكلام على كل المخاطبين ؟ ننظر ، هل القرآن مع من قال : « نقتل المنافقين » أو مع من قال بغير ذلك ؟ فإن كان مع الفئة الأولى فهو لا يؤنب هذه الفئة بل يكرمها ، إن القرآن مع هذه الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع الفئة الثانية ؛ لذلك فهو يؤنبها ، ويوبخها . والأسلوب حين يكون توبيخا لمن يرى رأيا ، فهو تكريم لمن يرى الرأي المقابل ، ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ ، لأنّ الحق أعطاه الحيثية التي ترفع رأسه .
والحق يقول :
« فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ »
أي إن الحق يقول : أي حجة لكم في أن تفترقوا في أمر المنافقين إلى فئتين ، والقياس يقتضى أن تدرسوا المسألة دراسة عقلية ، دراسة إيمانية لتنتهوا إلى أنه يجب أن تكونوا على رأى واحد ، ومعنى الإنكار هو :
لا حجة لكم أيها المؤمنون في أن تنقسموا إلى فئتين .
ويقول الحق :
« وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا »
وساعة تسمع كلمة « أركسهم » ماذا نستفيد منها حتى ولو لم نعرف معنى الكلمة ؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لائقة . ونشعر أن الأسلوب دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها الكلمة ، وهذا من إيحاءات الأسلوب القرآني ، إيحاءات اللفظ ، وانسجامات حروفه .
« وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا »
و « أركسهم » مأخوذة من « ركسهم » ومعناها