الجحر ، فيتركه اليربوع إلى فتحة أخرى ، كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع ، فهو يصنع فوهة يدخل فيها في الجحر ، وفوهة ثانية وثالثة ، وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها ، وكذلك المنافق .
ونعرف أن المسائل الإيمانية أو العقدية على ثلاثة أشكال : فهناك المؤمن وهو الذي يقول بلسانه ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماما . وهناك الكافر وهو الذي لا يعتقد ولا يدين بالإسلام ولا يقول لسانه غير ما يعتقد ، وملكاته منسجمة أيضا ، وإن كان ينتظره جزاء كفره في الآخرة ؛ فملكاته منسجمة - لكن - إلى غاية ضارة ، وهي غاية الكفر . أما « المنافق » فهو الذي يعتقد الكفر وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ذلك ، وملكاته غير منسجمة ؛ فلسانه قد قال عكس ما في قلبه ؛ لذلك يحيا موزعا وقلقا ، يريد أن يأخذ خير الإيمان وخير الكفر ، هذا هو المنافق .
وهناك جماعة - في تاريخ الإسلام - حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر ، قالوا لأنفسهم : « الريح في جانب المسلمين ، ولا نأمن أنهم بعد انتصار بدر وقتل صناديد قريش وحصولهم على كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا » ، هذه الجماعة حاولت النفاق وادعت الإسلام وهم بمكة ، حتى إذا دخل المسلمون مكة يكونون قد حصنوا أنفسهم . أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين ، ولم يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيدا عن الوطن والأهل والمال ، ففكروا في هذه الأمور ، وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة ، وقالوا للمؤمنين في المدينة : « نحن لنا أموال في مكة وسنذهب لاستردادها ونعود » .
وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين : قسم يقول : نقاتلهم ، وقسم يقول : لا نقاتلهم . الذين يقولون : « نقاتلهم » دفعهم إلى ذلك حمية الإيمان . والذين يقولون : « لا نقاتلهم » قالوا : هذه الجماعة أظهرت الإيمان ، ولم نشق عن قلوبهم ، وربما قالوا ذلك عطفا عليهم لصلات أو أواصر .
فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين ، ويحسم أمر الاختلاف .
تفسير الشعراوي — صفحة 2516
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٥١٦