تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2518

مساهمون:

ص٢٥١٨
« ردهم » . كأنهم كانوا على شئ ثم تركوه ثم ردهم اللّه إلى الشئ الأول ، وهم كانوا كفارا أولا ، ثم آمنوا ، ثم أركسهم ، لكن هل اللّه أركسهم تعنتا عليهم أو قهرا ؟ لا ؛ فهذا حدث
« بِما كَسَبُوا » ،
وذلك حتى لا يدخل أحد بنا في متاهة السؤال ولماذا يعاقبهم اللّه ويوبخهم ما دام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا ؛ لذلك قال لنا الحق : إنه
« أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا » .
و « أركسهم » مادته مأخوذة من شئ اسمه « الركس » - بفتح الراء - وهو رد الشئ مقلوبا ومنه « الرّكس » بكسر الراء وهو الرجيع الذي يرجع من معدة الإنسان قبل أن يتمثل الطعام . مثلما نقول : « إن فلانا غمت نفسه عليه » أو « فلان يرجع ما في بطنه » . وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه الإنسان ويحبه ويقبل عليه ويأكله بلذة ، وتنظر عيونه إليه باشتهاء ، ويده تقطع الطعام بلذة ويمضغ الطعام بلذة ، هذا الطعام بمجرد مضغه مع بعضه ينزل في المعدة وتضاف إليه العصارات المهضمة ، فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون غير مقبول الرائحة ، بل إن الإنسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج الباقي بعد ذلك ، فرائحة الفضلات الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو رجع بدون تمثيل . فلو رأيت إنسانا يقضى حاجة وآخر يتقيأ الطعام ، فالنفس تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من الذي يقضى حاجته ؛ لأن « الترجيع » يخرج طعاما خرج من شهوة المضغ والاستمتاع . ولم يصل إلى مسألة التمثيل . ولذلك نسمع المثل « كل ما فات اللسان صار نتان » . و « الرّكس » هو الرجيع الذي يرجعه الإنسان بعد الطعام قبل أن يتمثله . فالطعام بعد أن يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح روثا ، وغائطا وبرازا . والحق سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم :
« وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ »
أي أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شئ من الإيمان . هذا هو التعبير القرآني الذي جاء بالعبارة التي تؤدى هذا المعنى ، وتؤدى إلى نفرتنا منهم ، فيكون الإركاس هو الرد ، وهل هو مطلق الرد ، أو رد له كيفية ؟ هو رد بإهانة أيضا ، كيف ؟ لأن الشئ إن كان قوامه أن يقف رأسيا ، يكون الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه . وعلى ذلك فالرد ليس ردا عاديا بل إنّه