نحن عرفنا أن الهداية تأتى بمعنيين ، هداية الدلالة وهداية المعونة ، ويأتي المسرفون على أنفسهم الذين يودون أن تكون قضية الدين كاذبة - والعياذ باللّه - لأن قضية الدين عندما تكون صدقا فإن الذين أسرفوا على أنفسهم يتيقنون أنهم ذاهبون إلى داهية وأمر منكر شاق عليهم ؛ لذلك نجد الواحد منهم يتمحك في محاولة عدم التصديق ، والدخول إلى متاهات يصنعها الفهم السطحي للدين . ولذلك نجد المناقشات التي يناقشونها تدل على أنها مناقشات المسرف على نفسه ، فيقول الواحد منهم : ما دام اللّه هو الذي كتب علىّ كل شئ فلماذا يعذبني وهو الذي كتب علىّ المعاصي ؟ .
نقول له : ولماذا آمنت في هذا الموقف بالذات أن اللّه هو الذي كتب ؟ ، وما دمت قد آمنت بأن اللّه هو الذي كتب فلماذا لا تؤمن به وترتضى أحكام منهجه ؟ . ولكن الواحد منهم يحاول أن يقف وقفة ليست عقلية ، فالوقفة العقلية الصحيحة تقتضى أن تأتى بالقضية المقابلة وهي أن اللّه إذا كان قد كتب على العبد الطاعة فلما ذا يثيبه ؟ .
لماذا تناسى قضية الطاعة والثواب عليها ؟ ؛ لأنه يعرف أنها القضية التي تجلب الخير ، ووقف في القضية المقابلة التي تأتى بالشرّ ، ولا يقول هذا القول إلا مسرف على نفسه . ولا نرى ملتزما بمنهج الإيمان يقول مثل هذه القضية ، فالمؤمن يحب أن تسير الأمور على ضوء منهج اللّه ، ولذلك أنا إلى الآن - وليسامحنى اللّه وليغفر لي - أتعجب من أن العلماء الذين سبقونا جعلوا من هذه المسألة محل خلاف . وقالوا : معتزلة وأهل سنة ( ! ! )
المسألة كلها يجب أن تفهم على أساس أن الإسلام دين فطرة ، ولم يأت للفلاسفة فقط ، إنّه جاء للعقل الفطري ، وراعى الشاة في الإسلام كالفيلسوف ، ومن يكنس الشارع أو يمسح الأحذية مساو لمن درس الفلسفة أو الحقوق ؛ لأن الإيمان لم يأت لطائفة خاصة ، ولكن المنهج قد جاء للجميع ، ولا بد أن تكون أدلته واضحة للجميع ، فعند ما يقال لنا : إن اللّه يعلم كل شئ فيك ، لا يدخل معك في متاهة ، هو - سبحانه - يقول لك :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( 14 )
( سورة الملك )