والآية هنا تقول :
« فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ »
كأن القياس يقتضى ألا نكون في نظرتنا إلى المنافقين فئتين ، بل يجب أن نكون فئة واحدة . وكلمة « فئة » تعنى جماعة ، والجماعة تعنى أفرادا قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلاف الأهواء بين هؤلاء الأفراد وعلى رغم اختلاف الآراء ، إلا أنهم في الإيمان يجمعهم هوى واحد ، هو هوى الدين ، ولذلك قال الرسول :
( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) « 1 » .
فالمسبب للاختلاف هو أن كل واحد له هوى مختلف ولا يجمعهم هوى الدين والاعتصام بحبل اللّه المتين . وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في شأنهم ليكونوا فئتين ؟
والفئة - كما عرفنا - هي الجماعة ، ولكن ليس مطلق جماعة ، فلا نقول عن جماعة يسيرون في الطريق لا يجمعهم هدف ولا غاية : إنهم فئة ؛ فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف ؛ لأن معنى « فئة » أنه يرجع ويفىء بعضهم إلى بعض في الأمر الواحد الذي يجمعهم ، وكذلك معنى « الطائفة » فهم يطوفون حول شئ واحد . والحق يقول :
« فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » .
هذا لفت وتنبيه من الحق بأن ننزه عقولنا أن نكون في الأمر الواحد منقسمين إلى رأيين ، وخصوصا إذا ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد . والمنافقون - كما نعرف - هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر .
إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات ؛ لأن الإدراك الحسى هو أول وسيلة لإدراك القلب ، وبعد ذلك تأتى المعاني . وعندما نأتى لكلمة « منافقين » نجد أنها مأخوذة من أمر حسى كان يشهده العرب في بيئتهم ، حيث يعيش حيوان اسمه « اليربوع » مثله مثل الفأر والضب . واليربوع مشهور بالمكر والخداع ، ولكي يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبنى لنفسه جحرين ، أو جحورا متعددة ، ويفر من الحيوان المهاجم إلى جحر ما ، ويحاول الحيوان المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا
هامش
( 1 ) رواه البغوي في شرح السنة ، وابن أبي عاصم في السنة ، والمتقى الهندي في كنز العمال ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد .