يتعلق بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا المنهج إلى الناس ، ويكون الناس - بعد سماعهم المنهج - أحرارا فيما يختارون . إذن فالقتال لم يشرع لفرض منهج ، إنما شرع ليفرض حرية اختيار المنهج ، بدليل قول الحق :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
( من الآية 256 سورة البقرة )
وعلى ذلك فالإسلام لا يفرض الدين ، ولكنه جاء ليفرض حرية الاختيار في الدين ، فالقوى التي تعوق اختيار الفرد لدينه ، يقف الإسلام أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم يترك الناس أحرارا يعتنقون ما يشاءون ، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام بالسيف ، ظل فيها بعض القوم على دياناتهم . فلو أن القتال شرع لفرض دين لما وجدنا في بلد مفتوح بالسيف واحدا على غير دين الإسلام .
وبعد أن تكلم الحق عن القتال في مواقع متعددة من سورة النساء ، وقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا
( 84 )
( سورة النساء )
شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا ، فيها معنى الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم . فإذا سمعت كلمة « فمالك لا تفعل كذا » ، فكأن قياس العقل يقتضى أن تفعل ، والعجيب ألا تفعل . ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتى به .
فالأب يقول للابن مثلا : « مالك لا تذاكر وقد قرب الامتحان ؟ » كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام ، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان ، وهذا أمر بدهى بالقياس العقلي ، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أن فعل إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة