تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2509

مساهمون:

ص٢٥٠٩
إذن هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو يدفع عن نفسه ضررا . والذي ينفع الإنسان لا بد أن يكون أقوى منه ، وكذلك الذي يضرّه . لكن بالنسبة للّه لا يوجد من يسبب له سبحانه نفعا أو ضرا . إذن فإذا قال اللّه فقوله الصدق ؛ لأن الأسباب التي تدفع إلى الكذب هو - سبحانه - منزه عنها . وإذا كان الحق يعطينا الكلام الذي يوضح لنا واقع الحياة ويعطينا الكلام الذي لا يدخل في واقع حياتنا ويصف لنا الغيب الذي لا يدخل في نطاق ما نراه ، إذن فهو يكلمنا كثيرا . فقوله الحق :
« وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً »
مؤكد بالنسبة لنا . وأفعل التفضيل هنا لا تأتى للتمييز بين كلام صادق وكلام أصدق ، ولكن لنعرف أن كلام اللّه لنا كثير . فالتكثير هنا إنما يجئ من ناحية كثرة الكلام ، لا من ناحية أن هناك كلاما صادقا وكلاما أصدق . والتفاوت قد يوجد في الصدق أيضا ، كيف ؟ . لنفرض أن إنسانا رأى حادثة يقتل فيها إنسان إنسانا آخر ، فيشهد الشاهد بأنه رأى الدم ينزف من القتيل إثر التحام القاتل به ، ولكن هناك شاهد آخر يروى كل التفاصيل التي بدأت من قبل المشاجرة بين القاتل والقتيل إلى أن صار هناك قاتل وقتيل . وهكذا نجد أن الشاهد الثاني أشمل في الصدق من الشاهد الأول ، صحيح أن الشاهد الأول قال شهادة صادقة ، لكن شهادة الشاهد الثاني أشمل في القضية نفسها . إذن فقوله الحق :
« وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً »
أي أن الحق هو الأصدق بمعنى أنّ إخباره لنا جاء بالشمول الكامل ، وهو صدق لا تفاوت فيه ، فالصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع ، وما دام هو كذلك فليس هناك صادق وأصدق ، ولكن أفعل التفضيل تأتى في « أصدق » باعتبار أن كمية الصدق الصادرة لا حدود لها وأنّه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ما هي عليه أي بشمول كامل . وخلقه إن حدث منهم صدق في شئ فقد يحدث منهم الكذب في شئ آخر . فقد تقول قضية تعلم أنها صدق ، ولكنها في الواقع لا تكون صدقا .