تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2506

مساهمون:

ص٢٥٠٦
ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
( 5 ) ( سورة المسد ) أما كان أبو لهب يقدر أن يقول بعدها : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ؟ كان يقدر ، ولو قالها لشكك في هذه الآية ، ولقالوا : إنه لن يصلى نارا ذات لهب . إن هذا الأمر كان له فيه اختيار ، ولم يوفقه اللّه إلى أن يقولها ولو نفاقا ، لماذا ؟ لأن الحق قال بعد هذه الآية مباشرة :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( 1 ) ( سورة الإخلاص ) أي فليس هناك إله آخر يرد أمره سبحانه وتعالى :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » .
وكلمة « يجمع » تعنى أنه يخرجنا مع بعضنا من قبورنا جميعا ، ويحشرنا جميعا أمامه ، وقد يعنى « ليجمعنكم » أي ليحشرنكم من قبوركم لتلقى جزاء يوم القيامة . لماذا جاء هذا القول ؟ جاء لكي يتفحصه العاقل ، فلا يأخذ انفلات نفسه من منهج اللّه إلا بملاحظة الجزاء على الانفلات من المنهج ، فلو أخذ نفسه منفلتا عن منهج اللّه بدون أن يقدر الجزاء لكان أحمق وأخرق . ولذلك قلنا : إن الذين يسرفون على أنفسهم في المعصية لا يستحضرون أمام عيونهم الجزاء على المعصية . ولذلك يقولون : كل الجرائم إنما تتم في غفلة صاحبها عن الجزاء ؛ فالمجرم يرتكب جريمته وهو مقدر السلامة لنفسه ، والسارق يذهب إلى السرقة وهو مقدر السلامة ، لكن لو وضع في ذهنه أنه من الممكن أن يتم القبض عليه لما فعلها أبدا . والحق سبحانه وتعالى يوضح : إياك يا من تريد - بالاختيار الذي أعطيته لك - الانحراف عن منهجى ألّا تقدر الجزاء على هذه المخالفة . بل عليك أن تأخذها قضية واضحة ، واسأل كم ستعطيك المعصية من نفع وكم سيعطيك اللّه من خير على الطاعة ، وضع الاثنين في كفتى ميزان ؛ فالذي يعطيك الخير الأبقى افعله ، وابتعد عما لا يعطيك الخير بل إنه يوقعك في الشقاء والشر .
تفسير الشعراوي — صفحة 2506 | محمد متولي الشعراوي