تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2508

مساهمون:

ص٢٥٠٨
لجريمة . إذن فحتى المختار لم يفعل اختياره إلا من باطن أن اللّه خلقه مختارا . لكن هل ألزمه الحق سبحانه وتعالى بأن يفعل المعصية ؟ لا ، فسبحانه أوضح لك : هذا لا أحبه ، وهذا أحبه . واختيارك له مجال ، ولك أن تختار الشئ الذي يأتي بالنفع ولا يأتي بالضرر أو أن تختار عكس ذلك .
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ »
هذا خبر من اللّه . والكلام الخبرى عندنا يحتمل الصدق والكذب لذاته ، لكن لأن الخبر من اللّه فهو صادق . أما الكلام في ذاته فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب ، ولذلك يذيل الحق الآية بما يلي :
« وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً »
وهل الصدق فيه تفاضل ؟ . ليس في الصدق تفاضل ، فمعنى الصدق مطابقة الكلام للواقع ، فالإنسان قبل أن يتكلم وهو عاقل ، يدير المسألة التي يريد الكلام فيها ليعمل العقل فيها ، وبعد هذا ينطق بالكلام . إذن ففي الكلام نسبة ذهنية ، ونسبة كلامية ، ونسبة واقعية . فعندما يقول واحد : « زيد مجتهد » هو قبل أن يقول ذلك جاء في ذهنه أنه مجتهد ، وهذه هي « النسبة الذهنية » ، وعندما ينطقها صاحبها تكون « نسبة كلامية » ، ولكن هل صحيح أن هناك واحدا اسمه « زيد » وأنه مجتهد ؟ . إن طابقت النسبة الواقعية كلّا من النسبة الذهنية والنسبة الكلامية يكون الكلام صدقا . وإن لم يكن هناك أحد اسمه زيد ولا هو « مجتهد » لا تتطابق النسبة الخارجية الواقعية مع النسبتين « الذهنية والكلامية » فيكون الكلام كذبا . فالصدق يقتضى أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع ، أي مع النسبة الخارجية الحاصلة . ولماذا يكذب الكذاب إذن ؟ . ليحقق لنفسه نفعا يفوّته ولا يحققه الصدق في نظره أو يدفع عنه ضرّا . مثال ذلك : يكسر الابن شيئا في المنزل كمنضدة . فالأب يقول لابنه : هل كسرت هذه المنضدة ؟ . وينكر الابن : لا لم أكسرها . هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا وهو الإفلات من العقاب ، لأنه يعلم أن الصدق قد يسبب له عقابا . ولا يحمله على الكذب إلا تفويت مضرة قد تصيبه من الصدق فيلجأ إلى الكذب . ويقول كلاما يخالف الواقع .