تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2499

مساهمون:

ص٢٤٩٩
وعندما نمسك ورقة ونضعها تحت المجهر فإننا نرى عددا هائلا من الغرف الصغيرة ، ولا حصر لهذه الغرف ، ويقول المؤمن :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( من الآية 14 سورة المؤمنون ) فكل شئ في الوجود له حياة تناسبه ، إذ استقريتها وتتبعتها بدقة واستطعت أن توجد الآلات التي تستنبط والتي تساعد على الإدراك فإنك ترى الحركة وتشاهدها بالحس . إلا أن الحياة بالنسبة لأرقى الأجناس - وهو الإنسان - المنتفع بكل كائن حي في الكون ، هذه حياة تنتهى في ميعاد مجهول بالنسبة للإنسان معلوم بالنسبة للّه . وأراد اللّه أن يكلفه تكليفا إن استمع إليه ونفذه فهو سبحانه يعطيه حياة لا تنتهى . وعندما نقيس الحياة التي لا تنتهى بالحياة التي تنتهى ، فأي منهما جديرة بأن تسمى حياة ؟ . إنها الحياة الأخرى التي لا تنتهى ، ولذلك يقول الحق :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( من الآية 64 سورة العنكبوت ) هذه هي الحياة الحقة ، وإلا فما قيمة هذه الحياة الدنيا التي تهددك فيها الآفات والآلام والاضطرابات والأسقام والأمراض ، وبعد ذلك تنتهى ، فيوضح الحق : خذ حياة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، فهذه هي الحياة حقا ، ولذلك فالحق عندما تعرض لهذه المسألة أوضح : إياكم أن تعتقدوا أن هذه الحياة الدنيا هي التي أريدها لكم ، أنا أريد لكم حياة أخلد من هذه ، ولذلك قال :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
( من الآية 24 سورة الأنفال ) هو يخاطبهم إذن فهم أحياء بالقانون المتعارف عليه ، وأنهم إن لم يستجيبوا إلى ما دعاهم إليه الحق والرسول لن يأخذوا لونا أرقى من الحياة ، وهي حياة لا تهددها الآفات ولا الأثقال ولا الأمراض ولا الفناء ، إنها الحياة الحقة ، ولذلك يسميها الحق