« فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا »
لما ذا ؟ لأن الذين يؤمنون بك محدودو القدرة ، ومحدودو الحيلة ، ومحدودو العدة ، ولكن الذي أرسلك يستطيع أن يجعل من عدد خصومك ومن عدّة خصومك جنودا لك ، وينصرك من حيث لا تحتسب . ولذلك فالحق سبحانه وتعالى بدأ قضية الإسلام وكان المؤمنون بها قلة ، فلو جعلهم كثرة لقالوا : كثرة لو اجتمعت على ظلم لنجحت ، ولكن عندما تكون قلة وتنجح ، فهذا فأل طيب ويشير على أنك لست منصورا بهؤلاء وإنما أنت منصور بمدد اللّه .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ]
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 )
وإذا سمعت كلمة « أفلا » فأعلم أن الأسلوب يقرّع من لا يستعمل المادة التي بعده .
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ »
أي كان الواجب عليهم أن يتدبروا القرآن ، فهناك شئ اسمه « التدبر » ، وشئ اسمه « التفكر » ، ثالث اسمه « التذكر » ، ورابع اسمه « العلم » ، وخامس اسمه « التعقل » ، ووردت كل هذه الأساليب في القرآن ، « أفلا يعلمون » ،
« أَ فَلا يَعْقِلُونَ » ،
« أفلا يتذكرون » ،
« أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ » .
هي إذن تدبر ، تفكر ، تذكر ، وتعقل ، وعلم .
وحين يأتي مخاطبك ليطلب منك أن تستحضر كلمة « تدبر » ؛ فمعنى هذا أنه واثق من أنك لو أعملت عقلك إعمالا قويا لوصلت إلى الحقيقة المطلوبة ، لكن الذي يريد أن يغشك لا ينبه فيك وسائل التفتيش ، مثل التاجر الذي تدخل عنده لتشترى قماشا ، فيعرض قماشه ، ويريد أن يثبت لك أنه قماش طبيعي وقوى وليس صناعيا ، فيبله لك ويحاول أن يمزقه فلا يتمزق ، إنه ينبه فيك الحواس الناقدة ، فإذا نبه فيك الحواس الناقدة فمعنى ذلك : أنه واثق من أن إعمال الحواس الناقدة في