تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2469

مساهمون:

ص٢٤٦٩
صالح ما ادعاه ، ولو كان قماشه ليس في صالح ما ادعاه لحاول خداعك ، لكنه يقول لك : انظر جيدا وجرب . والحق يقول :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ »
والتدبر هو كل أمر يعرض على العقل له فيه عمل فتفكر فيه لتنظر في دليل صدقه ، هذه أول مرحلة ، فإذا ما علمت دليل صدقه فانظر النتيجة التي تعود عليك لو لم تعملها ؛ و « تتدبر » تعنى أن تنظر إلى أدبار الأشياء وأعقابها ، فالرسول يبلغك : الإله واحد ، إبحث في الأدلة بفكرك ، فإذا ما انتهيت إليها آمنت بأن هناك إلها واحدا . وإياك أن تقول إنها مسألة رفاهية أو سفسطة ؛ لأنك عندما تنظر العاقبة ماذا ستكون لو لم تؤمن بالإله الواحد . سيكون جزاؤك النار . إذن فتدبرت تعنى : نظرت في أدبار الأشياء وحاولت أن ترى العواقب التي تحدث منها ، وهذه مرحلة بعد التفكر . فالتفكر مطلوب أن تتذكر ما عرفته من قبل إن طرأ عليك نسيان . فالتفكر يأتي أولا وبعد ذلك يأتي التدبر . وأنت تقول - مثلا - لابنك : لكي يكون مستقبلك عاليا وتكون مهندسا أو طبيبا عليك أن تذاكر وتجتهد ، فيفكر الولد في أن يكون ذا مكانة مثل المتفوقين في المهن المختلفة في المجتمع ، ويبذل الجهد . إذن فأول مرحلة هي : التفكر ، والثانية هي : التدبر ، فإذا غفلت نقول لك : تذكر ما فكرت فيه وانتهيت إليه وتدبر العاقبة ، هذه كلها عمليات عقلية : فالتفكير يبدأ بالعقل ، والعقل ينظر أيضا في العاقبة ثم تعمل الحافظة لتذكرك بما فات وبما كان في بؤرة الشعور ثم انتقل إلى حاشية الشعور ، فإذا كنت قد تعقلت الأمر لذاتك يقال : عقلته . فإن فهمت ما عقله غيرك فقد علمت ما عقله فلان . إذن فليس ضروريا أن تكون قد انتهيت إلى العلم بعقلك ، بل أنت أخذت حصيلة تعقل غيرك ، ولذلك عندما ينفى ربنا عن واحد العلم فإنه قد نفى عنه التعقل من باب أولى ؛ ذلك أن العلم يعنى قدرته على تعقل قدرات غيره ، دون الوصول إلى قوانينها وقواعدها وأصولها ، إنه فحسب يعلم كيف يستفيد وينتفع بها ، وفي حياتنا اليومية نجد أن الأمى ينتفع بالتليفزيون وينتفع بالكهرباء ، أي انتفع بعلم غيره . لكنه لا يتعقل قدرات ذلك العالم . إذن فدائرة العلم أوسع ؛ لأنك تعرف بعقلك أنت . أما في دائرة العلم فإنك تعلم وتفهم ما عقله سواك .