النهار ؟ لا ، لكن الشائع أن يبيتوا في ليل . يفعلون ذلك وهم بعيدون عن الأعين ، فيدبرون جيدا ؛ وإن كان المقصود هو التبييت في ظلام فهذا المعنى يصلح أيضا ، وإن كان سرا فالمعنى يصح أيضا .
إذن فالأصل في التبييت إنما يكون في البيت . والأصل أن تكون البيتوتة ليلا ، ومدار المادة كلها الاستخفاء ، فإذا بيت في ظلام نقول : إنه بيت بليل ، وإذا بيّت سرا نقول : بيّت بليل أيضا .
« وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ »
أي إنهم إذا ما خرجوا بيتوا أمرا غير الذي تقول ، فهم يعلنون الطاعة باللسان بينما يكون سلوكهم على العكس من ذلك ، فسلوكهم هو العصيان أو « طاعة » غير الذي تقولها . فإن قلت : افعلوا فلن يفعلوا ، وإن قلت : لا تفعلوا فهم يفعلون عكس ما تأمر به . إنهم يطيعون أهواءهم وشياطينهم .
« وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ »
يعنى قالت طائفة : أمرنا وشأننا طاعة لما تقول ، أو أطعناك طاعة ولكنهم يبيتون غير ما تقول فهم إذن على معصية .
« وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ »
وسبحانه يكتب نتيجة علمه ، وجاء بكلمة « يكتب » حتى يعلموا أن أفعالهم مسجلة عليهم بحيث يستطيعون عند عرض كتابهم عليهم أن يقرأوا ما كتب فيه ، فلو لم يكن مكتوبا فقد يقولون : لا لم يحدث ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحذر من هذه الطائفة ، لأنها ستثبط أمر الدعوة ، لذلك يوضح الحق : إنك لن تنصر بمن أرسلت إليهم وإنما تنصر بمن أرسلك ، فإياك أن ينال ذلك من عزيمتك أو يثبطها نحو الدعوة . فإذا حدث من طائفة منهم هذا ف « أعرض عنهم » أي لا تخاطبهم في أمر من هذه الأمور ودعهم ودع الانتقام لي ؛ لأننى سأنصرك على الرغم من مخالفتهم لك ، واتجه إلى أمر اللّه الذي أرسلك .
ونعلم أن المصلحة في كل الرسالات إنما تكون عند من أرسل ، ولكن المرسل إليه قد تتعبه الدعوة الجديدة ؛ لأنها ستخرجه عن هوى نفسه ، ومستلزمات طيشه ، فالذي أرسلك يا محمد هو الضامن لك في أن تنجح دعوتك .