إذن فلو تدبروا مثل هذه لعلموا أن الذي أخبر رسول اللّه بسرائرهم وتبييتهم ومكرهم إنما هو اللّه ، إذن فرسول اللّه صادق في التبليغ عن اللّه ، وما دام رسول اللّه صادقا في التبليغ عن اللّه ، فتعود للآية الأولى
« مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ » ،
وكل الآيات يخدم بعضها بعضا ، فالقرآن حين نزل باللسان العربي شاء اللّه ألا يجعل كل مستمع له من العرب يؤمن به أولا ؛ لأنهم لو آمنوا به جميعا أولا لقالوا : إيمانهم بالقرآن جعلهم يتغاضون عن تحدى القرآن لهم . لكن يظل قوم من المواجهين بالقرآن على كفرهم ، والكافر في حاجة إلى أن يعارض ويعارض . فإذا ما وجد القرآن قد تحداه أن يأتي بمثله ، وتحداه مرة أن يأتي بعشر سور من مثله ، وتحداه بأن يأتي بأقصر سورة من مثله ، هذا هو التحدي للكافر . . ألا يهيج فيه هذا التحدي غريزة العناد ؟ ولم يقل منهم أحد كلمة ، فما معنى ذلك ؟ معناه : أنهم مقتنعون بأنه لا يمكن أن يصلوا لذلك واستمروا على كفرهم وكانوا يجترئون ويقولون ما يقولون .
ومع ذلك فالقرآن يمر عليهم ولا يجدون فيه استدراكا .
كان من الممكن أن يقولوا : إن محمدا يقول القرآن معجز وبليغ وقد أخطأ في كذا وكذا . ولو كانوا مؤمنين لأخفوا ذلك ، لكنهم كافرون والكافر يهمه أن يشيع أي خطأ عن القرآن ، وبعد ذلك يأتي قوم ليست لهم ملكة العربية ولا فصاحة العربية ، ليقولوا إن القرآن فيه مخالفات ! فكيف يتأتى لهم ذلك وليس عندهم ملكة العربية ، ولغتهم لغة مصنوعة ، وليس لهم ملكة فصاحة ، فكيف يقولون : إن القرآن فيه مخالفات ؟ لقد كان العرب الكافرون أولى بذلك ، فقد كانت عندهم ملكة وفصاحة وكانوا معاصرين لنزول القرآن ، وهم كافرون بما جاء به محمد ولم يقولوا : إن في القرآن اختلافا ! ! هذا دليل على أن المستشرقين الذين ادعوا ذلك يعانون من نقص في اللغة .
ونقول لهم : لقد تعرض القرآن لأشياء ليثبت فصاحته وبلاغته عند القوم الذين نزل لهم أولا . فمنهم من سيحملون منهج الدعوة ، ثم حمل القرآن معجزات أخرى لغير الأمم العربية ، فمعجزة القرآن ليست فصاحة فقط ، وإلا لقال واحد : هو أعجز العرب ، فما شأن العجم والرومان ؟ ونقول له : أكل الإعجاز كان في أسلوبه ؟ لا ، الإعجاز في أشياء تتفق فيها جميع الألسنة في الدنيا ؛ لأنه يأتي ليثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشهادة خصومه لم يبارح الجزيرة إلا في رحلة