تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2459

مساهمون:

ص٢٤٥٩
وأجناس لا تدخل تحت طاقته ولا تحت قدرته وتصنع له أشياء لا يفهم عقله كيف تعمل ، فكان الواجب أن يؤمن . لقد ضربنا مثلا وقلنا : لو أن إنسانا وقعت به طائرة أو انقطع به طريق في صحراء ، وليس معه زاد ولا ماء ، وبعد ذلك جلس فغلبه النوم فنام ، ثم استيقظ فوجد مائدة منصوبة فيها أطايب الطعام وفيها الشراب السائغ . باللّه قولوا لي : ألا يشتغل عقله بالفكر فيمن جاء بالأطعمة قبل أن يتناول منها شيئا ؟ لذلك كان من الواجب قبل أن ننتفع بهذه الأشياء أن نلفت ذهننا : من الذي صنع هذه الصنعة ؟ ! ومع ذلك تركنا اللّه فترة حتى نفكر ، حتى إذا جاء رسول يقول : القوة التي تبحث عنها بعقلك هذه اسمها كذا ومطلوبها منك كذا ، وأنت كائن ومخلوق لها أولا وإليها تعود أخيرا . وخلاصة المسألة أن اللّه سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلق أعد لهم مائدة الكون ، وفيها الأجناس التي تخدمه - كما قلنا - : سلسلة الأجناس وخدمتها تجعلك تتعجب وتتساءل : كيف يخدمنى الأقوى منى ؟ . الشمس التي لا تدخل تحت قدرتى ، والقمر الذي لا أستطيع أن أتناوله ، والريح التي لا أملك السيطرة عليها ، والأرض التي لا أستطيع أن أتفاهم معها ، كيف تؤدى لي هذه الخدمات ؟ . لا بد أن يكون هناك من هو أقوى منى ومنها هو الذي سخرها لخدمتى . وهل رأيت شيئا من هذه الأشياء امتنع أن يؤدى لك الخدمة أو نقص منها شيئا ؟ . لم يحدث ؛ لأنها مسخرة ، فإذا جاء رسول من اللّه ليحل لنا لغز هذه الحياة ويدلنا على موجدها ، كان يجب أن نفتح له آذاننا ونسمعه ، فإذا ما قال لي : الذي خلق لك الكون هو اللّه ، والذي خلقك هو اللّه وهو صانعك ، وأرسلني بمنهج لك كي تؤدى مهمتك كما ينبغي فافعل كذا ولا تفعل كذا ، وأنت صائر إليه ليحاسبك على ما فعلت ، وهذا المنهج هو خلاصة الأديان كلها . ولذلك يكون مجىء الرسول ضروريا وبعد ذلك يؤيده سبحانه بمعجزة تثبت صدقه ، وما دام قد أرسله بالمنهج الذي هو : افعل ولا تفعل ، فهذا يعنى أن تطيع هذا الرسول ، ويقول ربنا في آية أخرى :