تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2458

مساهمون:

ص٢٤٥٨
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »
إذن فلم يعد للسماء استدراك على هذه الرسالة ، فكيف يأتي بعد ذلك إنسان معاصر أو غير معاصر ليقول : لا ، إننا نريد أن نستدرك كذا أو نقول : الحكم كذا أو هذا الحكم لا يلائم العصر إذا كان اللّه لم يجعل للسماء استدراكا على الرسالة لأن اللّه أكملها وأتمها فكيف يسوغ للبشر أن يكونوا مستدركين على الرسالة ؟ . إن الرسول حين يضاف ، يضاف مرة إلى اللّه ، ويضاف مرة إلى المرسل إليهم ؛ لأنه واسطة التعلق بين المرسل والمرسل إليه ، فإن أردت الإضافة بمعنى « من » الابتدائية ؛ تقول : رسول اللّه ، أي رسول من اللّه . وإن أردت الغاية من الرسالة تقول : رسول إلى الناس أو رسول للناس . إذن فالإضافة تأتى مرة بمعنى « من » وتأتى مرة بمعنى « اللام » ، وتأتى مرة بمعنى « إلى » . وأمر الرسالة ضروري بالنسبة للبشر ؛ لأن الإنسان إذا ما استقرى وتتبع الوجود كله بفطرته وبعقله السليم من غير أن يجئ له رسول ، فإنّه يهتدى بفطرته إلى أن ذلك الكون لا يمكن أن يكون إلا عن مكوّن له قدرة تناسب هذه الصفة المحكمة البديعة . ولا بد أن يكون قيوما لأنه يمدنا دائما بالأشياء ، لكن أنعرف بالعقل ما تريد هذه القدرة ؟ نحن ننتهى فقط إلى أن وراء الكون قوة ، هذه القوة لها من القدرة والحكمة والعلم والإرادة وصفات الكمال ما يجعلها تخلق هذا الكون العجيب على تلك الصورة البديعة ذات الهندسة الدقيقة ، وهذا الكون له غاية . أيمكن - إذن - للعقل أن يضع اسما لهذه القوة ؟ . فكونها قوة يستلزم أن يكون لها قدرة وحكمة ، لكنا لا نعرف اسمها ، فكان ولا بد أن يجئ رسول ، هذا الرسول يعطى للناس جواب ما شغلهم وهو : ما القوة التي خلقت هذا الكون وجعلته بهذه الصنعة العجيبة . ويقف العقل هنا وقفة ، فعندما يأتي الرسول ويقول : أنا أدلكم على هذه القوة اسما ومطلوبا ، كان يجب على الخلق أن يرهفوا آذانهم له ؛ لأنه سيحل لهم ذلك اللغز الذي رأوه بأنفسهم وأوقعهم في الحيرة - المؤمن منهم والكافر يؤمن بهذا - لأنه يجد نفسه في كون تخدمه فيه أجناس أقوى منه ، ولا تتخلف عن خدمته أبدا ،