تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2457

مساهمون:

ص٢٤٥٧
أي في المسائل الخاضعة للتجربة في المعمل والتي لا دخل للسماء فيها . أما الأمور الخاضعة لنواميس الكون فلا يتركها للعباد . ومن العجيب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين يتصرف في شئ لم يكن للّه فيه حكم مسبق ويعدله له اللّه بينه وبين نفسه فمحمد هو الذي يبلغنا بهذا التعديل لنشهد - واقعا - أنه صادق في البلاغ عن اللّه ولو كان على نفسه . وجاءت هذه الآية الكريمة بعد قول الحق سبحانه :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( من الآية 79 سورة النساء ) والرسول - كما نعلم - هو من بلغ عن اللّه شرعه الذي يريد أن يحكم به حركة حياة الخليفة في الأرض وهو الإنسان . وإذا ما نظرنا إلى المادة المأخوذة من الراء والسين واللام وجدنا الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى
( من الآية 52 سورة الحج ) إذن فالرسول قد يكون رسولا بالمعنى المفهوم لنا ، وقد يكون نبيا ، كلاهما مرسل من اللّه . ولكن الفارق أن الرسول يجئ بشرع يؤمر به ؛ ويؤمر هو - أيضا - بتبليغه للناس ليعملوا به ، ولكن النبي إنما يرسله اللّه ليؤكد سلوكا نموذجيا للدين الذي سبقه ؛ فهو مرسل كأسوة سلوكية . ولكن الرسول على إطلاقه الاصطلاحي يأتي بمنهج جديد قد يختلف في الفروع عن المنهج الذي سبقه . وكلاهما رسول ؛ هذا يجئ بالمنهج والسلوك ويطبقه ، والنبي يأتي بالسلوك فقط يطبقه ليكون نموذجا لمنهج سبقه به رسول . وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل ، وجعل خاتم الرسل سيدنا محمدا فمعنى ذلك أن رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم ستكون رسالة لا استدراك للسماء عليها ، وإذا كانت رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم رسالة لا استدراك للسماء عليها ، فكيف يعقل أن تكون رسالته موضوعا لاستدراك البشر عليها ؟ فمادام اللّه قد ختم به الرسالة ، وأنزل عليه قوله :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ