ويقول قائل : وما ذنب الولد ؟ . نقول : أنت لا تفهم الأمور ، لقد ذهب إلى الحق بدون تجربة في أن يطيع أو يعصى اللّه ، ذهب إلى رحمة اللّه مباشرة ، وهذا أفضل له . وكان في ذلك القتل للولد رحمة لوالديه ؛ فالشىء إن حدث للنفس إن كان من مخالفة الإنسان للناموس فيكون الإنسان هو الذي فعل الضر بنفسه . .
وكذلك الأمة حين تخالف ناموسا شرعيا أو كونيا . لكن لو كانت الأمور فوق طاقة البشر فلا بد أن للّه فيها حكمة . وقصة العبد الصالح وموسى مليئة بالحكم . فقد ذهب الاثنان إلى قرية واستطعما أهلها أي طلبا من أهلها طعاما :
حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
( من الآية 77 سورة الكهف )
ولم يطلب أي منهما نقودا ، وذلك حتى لا تثار الظنون السيئة ، ولكن طلبا الطعام ليأكلاه . وهو أول الحاجات الضرورية للإنسان .
فقالوا لهما : لا لن نعطيكما لأن أهل تلك القرية كانوا لئاما . ولذلك اتجه العبد الصالح إلى جدار يريد أن ينقض فأقامه ، فقال سيدنا موسى للعبد الصالح : لماذا لا تأخذ منهم أجرا ؟
وأخيرا يوضح العبد الصالح لسيدنا موسى :
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
( 82 )
( سورة الكهف )
فأهل القرية اللئام الذين طلب منهم الطعام لم يكونوا قادرين على تحمل أمانة حفظ الكنز للغلامين . فأمر اللّه العبد الصالح بحجب الكنز عن أهل تلك القرية . إذن ، فالمسائل إن جرت على الإنسان بسبب منه فهو الذي فعل الضر بنفسه ، أما إذا كان الأمر لا دخل للإنسان فيه فعليه أن يثق بحكمة من يجريه وبذلك يستقبل الإنسان كل شئ يصيبه بالراحة .