تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2451

مساهمون:

ص٢٤٥١
إن اللّه خلق الكون وخلق القانون والنواميس ليدلنا على أنه موجود . ولا تزال يده في الكون . فإذا حدثت حادثة فلا بد أن نلتمس لها حكمة . والحكمة خرق وخروج عن النواميس يلفت إلى أن فوق ميكانيكية العالم وقوانينها قوة أخرى تقول لها : « تعطلى » . ولذلك فمعجزات بعض الرسل من هذا اللون ، فطبيعة النار أنها تحرق ، ولكنها لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه السّلام . أكان مراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجّى إبراهيم من النار ؟ لو كان مراده هو نجاة إبراهيم من النار فحسب لما مكّن خصومه من أن يمسكوه . وبعد أن أمسك خصوم سيدنا إبراهيم به ، وأشعلوا النار وأججوها . كان باستطاعة الحق سبحانه أن يأتي بغمامة لا قدرة لخصوم إبراهيم عليها وتمطر مطرا يطفئ النار . لا . فقد أراد اللّه النار نارا متأججة وأن يقدر خصوم إبراهيم عليه ويمسكوا به ولا تنطفئ النار ، وأن يلقوه في النار ، وبعد ذلك يوضح الحق : أنا أزاول سلطاني في الناموس ؛ لأنى خالق الناموس وأعطله متى شئت ،
« يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » .
أما لو حدثت المسألة الأولى وانطفأت النار ، لقالوا : آه لو لم تنطفئ النار ، وآه لو لم ينزل الماء على النار . إن الحق أراد أن يدحض كل دعاوى الخصم . فعندما تحدث أحداث لا دخل للإنسان فيها نقول : دعها لحكمة الخالق لأنه يريد أن يلفت الخلق إلى أنه صاحب اليد العليا في الكون . فميكانيكية الكون تحير العقول ؛ لأنها مضبوطة بدقة ، ولكنها لم تفلت من يد ربنا . ولذلك نرى في بعض الأحيان رياحا عنيفة تثير الغبار فلا يرى الإنسان شيئا على الإطلاق . ومعنى ذلك أن الذرات تراكمت وتراكبت حتى صارت جدارا ، ويحدث ذلك مهما حاولت الأجهزة العلمية التحكم في ذلك أو منعه . ومن العجيب أن الحق يترك لنا لذعة تقول : لقد كرمتك بالعقل ولكني لم أدع لك كل الفهم ، فقد يوجد صاحب غريزة لا عقل له ويكون أقدر على فهم الأشياء منك أيها الإنسان .
تفسير الشعراوي — صفحة 2451 | محمد متولي الشعراوي