تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2450

مساهمون:

ص٢٤٥٠
فمن أراد أن يرى النظام السائد يدل على الحكمة نقول له : انظر إلى الفلك الأعلى . ومن يريد الشذوذ دليلا على أن هناك قوة تتحكم في ميكانيكية العالم نقول له : هذا موجود ، ولكن الشذوذ موجود في الأفراد . فإن شذ فرد فلا يعطب بقية الأفراد . ونعرف - أيضا - أن رتابة النعمة قد تلهى الإنسان عن المنعم . فالإنسان منا يظل لمدة طويلة وأسنانه سليمة فلا يتذكر مسألة أسنانه ، لكن إن آلمه ضرس واحد فهو يتذكر أن له ضرسا ، وكذلك إن آلمته إحدى عينيه ، أو إذا آلمته كليته فهو يجرى إلى الطبيب . وهذه أمور لافتة حتى تخرج الإنسان من رتابة النعمة عليه ليتذكر المنعم بالنعمة . وعندما نرى إنسانا أكرمه اللّه بفقدان البصر ، فالواحد منا يقول : الحمد للّه ويمسك الإنسان منا عينيه مخافة أن تذهبا ، وكذلك عندما نرى أبرص أو أعرج ، وهذه هي وسائل إيضاح في الكون حتى لا تغفل الناس عن المنعم بالنعمة . فإذا ما نظرنا إلى الأشياء التي تصيب الإنسان فردا ، أو تصيب الأمة كمجموع فنحن نجدها بما قدمت يدها ؛ لأنها صنعت شيئا يخالف التوجيه . فإن كان هناك شئ خارج عن قدرة الإنسان فنحن نقول : هذه هي حكمة المكوّن حتى يلفتنا إلى أنه المنعم . ولهذا نرى الشواذ في الخلقة قلة لا كثرة ، ويعوض اللّه من أصيب بشذوذ في شئ بدوام ملكة في شئ آخر . ولذلك يقول الشاعر :
عميت جنينا والذكاء من العمى * فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاب ضياء العين للعقل رافدا * لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا
وضربت المثل مرة ببتهوفن الموسيقار العالمي الذي أطرب العالم بسمفونياته . . إنّه كان أصم . ولذلك نحن نسمع في لغة العامة : كل ذي عاهة جبار . فإذا كان اللّه قد جعله وسيلة إيضاح ليلفت الناس إلى نعم اللّه سبحانه عليها فهو يعوضه بموهبة أخرى ويلتفت الناس فيها إلى صاحب العاهة فيرون فضل اللّه عليه أيضا . إذن فالمصائب التي تحدث وليس للإنسان دخل فيها هي الملحظ الذي يجب أن نبحثه . وهذه هي مكونات الحكمة كي يلتفت الإنسان دائما إلى أن الكون غير متروك بلا قيادة .