وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
( 112 )
( سورة النحل )
ولنر دقة الأداء القرآني ، في قوله :
« فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ » ،
ونعلم أن الذي يذاق هو الطعم . والطعم يكون باللسان وحده : أما اللباس فيعم كل الجسم ، والحق هنا يعطى الإذاقة ولا يكون الذائق هو الفم فقط بل كل الجسم ، فالفم إنما يتناول لصالح بقية الجسم ، وعندما لا تصل مادة الحياة إلى بقية الجسم فكل الجسم يذوق الجوع أيضا .
والكون المخلوق للّه مصنوع على نظام دقيق من أجل أن تسير السنن الكونية في مجالاتها التي حددها اللّه ، وعندما تنتظم هذه السنن في حركتها فهي تعطى النتائج للإنسان ولو بعد حين ، حتى إن بعض المفسرين والمتكلمين بعمق يقولون : إن الأمراض الوراثية التي تنتقل من أجيال سابقة إلى أجيال لا حقة كان السبب فيها تقصير آباء واجتراءهم على أشياء مخالفة لمنهج السماء ، فإذا شرع اللّه سنة كونية للفرد ثم خالفها تصيبه نتيجتها السيئة من بعد ذلك ، وكذلك الأمة والجماعة .
لكن المسائل التي يقف فيها العقل فقط هي المصائب التي تصيب الناس بغير عملهم . وكان على الفلسفة أن تبحث هذا المجال ، أما الدين فهو يقول لنا أسباب تلك المسائل ؛ فالشىء الذي له مقدمات من أسباب تكاسل الإنسان عنها ، ثم أصابته كارثة فهذا من فعل الإنسان في نفسه . أما الأشياء التي تأتى قدرية فهذا أمر مختلف . فإذا كان ديننا قد وضع للإنسان أسبابا كونية وحكمة الإنسان الإيمانية قالت له : افعل ذلك حتى يحدث كذا ، ولا تفعل ذلك حتى لا يحدث كذا فعلى الإنسان أن يعرف أن اللّه لم يعطه كل ما يستطيع به استيعاب كل حكمة المكوّن في الكون ، ليلفت سبحانه الإنسان دائما على أن طلاقة القدرة ما زالت موجودة ، فيحدث شئ من الأشياء يتساءل فيه الإنسان : ما سبب ذلك ؟ ولما ذا ؟ ومثال ذلك