وبعد أن تكلم سبحانه عن خلقنا أبا وأما وأنّه بث منهما رجالا كثيرا ونساء ، أراد أن يحمى هذه المسألة وأن يحمى المبثوث . والمبثوث قسمان : قسم اكتملت له القوة وأصبحت له صلاحية في أن يحقق أموره النفعية بذاته ، وقسم ضعيف ليست له صلاحية في أن يقوم بأمر ذاته ، ولأنه سبحانه يريد تنظيم المجتمع ؛ لذلك لا بد أن ينظر القادرون في المجتمع إلى القسم الضعيف في المجتمع ، ومن القسم الضعيف الذي يتكلم اللّه عنه هنا ؟ إنهم اليتامى ، لماذا ؟
لأن الحق سبحانه حينما خلقنا من ذكر وأنثى ، آدم وحواء ، جعل لنا أطوارا طفولية ، فالأب يكدح والأم تحضن ، ويربيان الإنسان التربية التي تنبع من الحنان الذاتي ونعرف أن الحنان الذاتي والعاطفة يوجدان في قلب الأبوين على مقدار حاجة الابن إليهما ، الصغير عادة يأخذ من حنان الأب والأم أكثر من الكبير ، وهذه عدالة في التوزيع ، لأنك إذا نظرت إلى الولد الصغير والولد الكبير والولد الأكبر ، تجد الأكبر أحظهم زمنا مع أبيه وأمه والصغير أقلهم زمنا ، فيريد الحق أن يعوض الصغير فيعطى الأب والأم شحنة زائدة من العاطفة تجاهه ، وأيضا فإن الكبير قد يستغنى والصغير ما زال في حاجة ، ولذلك قال سبحانه في أخوة يوسف :
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
( من الآية 8 سورة يوسف )
أي أنهم أقوياء وظنوا أنه كان يجب على أبيهم أن يحب الأقوياء . وهذا الظن دليل على أن الأب كان يعلم أنهم عصبة لذلك كان قلبه مع غير العصبة ، وهذا هو الأمر الطبيعي ، فهم جاءوا بالدليل الذي هو ضدهم .
إذن فحين يوجد الناشئ الذي يحتاج إلى أن يربّى التربية التي يعين عليها الحنان والعطف ، فلا بد أن نأتى لليتيم الذي فقد مصدر الحنان الأساسي ونقنن له ، ويأتي الحق سبحانه وتعالى ليوزع المجتمع الإنسانى قطاعات ، ويحمل كل واحد القطاع المباشر له ، فإذا حمل كل واحد منا القطاع المباشر له تتداخل العنايات في القطاعات ، هذا سيذهب لأبيه وأمه ولأولاد أخيه ، وهذا كذلك ، فتتجمع الدوائر . وبعد ذلك يعيش المجتمع كله في تكافل ، وهو سبحانه يريد أن يجعل وسائل الحنان ذاتية في كل نفس ، وما دام اليتيم يقيم معنا كفرد فلا بد من العناية به .