تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1992

مساهمون:

ص١٩٩٢
وتقولون : بحق الرحم الذي بيني وبينك ، أنا من أهلك ، وأنا قريبك وأمّنا واحدة ، أرجوك أن تحقق لي هذا الأمر . ولماذا جاءت « الأرحام » هنا ؟ لأن الناس حين يتساءلون بالأرحام فهم يجعلون المسؤولية من الفرد على الفرد طافية في الفكر ، فمادمت أنا وأنت من رحم واحد ، فيجب أن تقضى لي هذا الشئ . إذن فمرة تسألون باللّه الذي خلق ، ومرة تسألون بالأرحام لأن الرحم هو السبب المباشر في الوجود المادي ، ومثال ذلك قول الحق :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
( من الآية 36 سورة النساء ) لقد جاء لنا بالوالدين اللذين هما السبب في إيجادنا ، واللّه يريد من كل منا أن يبر والديه ، ولكن قبل ذلك لا بد أن ينظر إلى الذي أوجدهما ، وأن يصعد الأمر قليلا ليعرف أن الذي أوجدهما هو اللّه سبحانه . ويختم الحق الآية بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » ،
لأن كلمة « اتقوا » تعنى اجعل بينك وبين غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة ، واجتناب ما نهى اللّه عنه
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » ،
والرقيب من « رقب » إذا نظر ويقال : « مرقب » ، ونجد مثل هذا المرقب في المنطقة التي تحتاج إلى حراسة ، حيث يوجد « كشك » مبنى فوق السور ليجلس فيه الحارس كي يراقب . ومكان الحراسة يكون أعلى دائما من المنطقة المحروسة ، وكلمة « رقيب » تعنى ناظرا عن قصد أن ينظر ، ويقولون : فلان يراقب فلانا أي ينظره ، صحيح أن هناك من يراه ذاهبا وآتيا من غير قصد منهم أن يروه ، لكن إن كان مراقبا ، فمعنى ذلك أن هناك من يرصده ، وسبحانه يقول :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » .
فليس اللّه بصيرا فقط ولكنه رقيب أيضا - وللّه المثل الأعلى . نحن نجد الإنسان قد يبصر مالا غاية له في إبصاره ، فهو يمر على كثير من الأشياء فيبصرها ، لكنه لا يرقب إلا من كان في باله . والحق سبحانه رقيب علينا جميعا كما في قوله :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) ( سورة الفجر )