تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2430

مساهمون:

ص٢٤٣٠
يموت الواحد حتف أنفه ، هو بقاء مظنون وغير متيقن . ونحن نرى من يموت طفلا أو شابا أو كهلا . أما الآخرة فهي غير محدودة وهي متيقنة . إن النعيم في الدنيا يكون على مقدار تصور الفرد للنعيم وإمكانات الفرد في تحقيق النعيم . وأما النعيم في الآخرة فيكون على المقدار الذي أعده اللّه لعباده بطلاقة قدرته وسعة رحمته . فإن قارنا صفقة الدنيا بالآخرة لوجدنا أن متاع الدنيا على فرض أنه متاع هو قليل بالنسبة للآخرة . إذن فالحق ينمى فينا قيمة الصفقة الإيمانية ، ويعلم أن كل إنسان يحب الخير لنفسه ، فلا يظنن أحد أن الدين جاء ليسلبه الحرية ، أو ليستذله ، فالدين إنما جاء ليربب للمؤمن النفعية وينميها له . ومثال ذلك عندما منع الدين واحدا أن يسرق الآخرين فهو قد منع أيضا كل الآخرين أن يسرقوا من أي واحد ، وبذلك يكسب كل إنسان حماية الدين له ، فحين يمنع الواحد عن فعل خطأ في حق الآخرين فهو قد منع الآخرين وهم ملايين أن يخطئوا في حقه . فإذا قال الدين لواحد : لا تمد عينيك إلى محارم غيرك ، ففي هذا القول ما يوصى كل غير في الدنيا : لا تمدوا أعينكم إلى محارم فلان ، فالكسب العظيم - إذن - يعود على الفرد . وقول الحق :
« قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى »
يوضح لنا عظمة الصفقة الإيمانية ، وبعد ذلك يؤكد لنا العدل في قوله :
« وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
ونعرف أن الفتيل هو ما فتل من الأقذار حينما يدعك الإنسان كفيه معا ، فيخرج ناتجا كالفتلة ، أو الفتيل هو الفتلة في بطن النواة ، أي لا نظلم حتى في الشئ التافة . والعدالة هنا بمشروطها ؛ لأن اللّه أوضح أن من يصنع السيئة يجازى بسيئة مثلها ، ومن يصنع حسنة يجازى بعشرة أمثالها أو أكثر . وهكذا لا ترهق العدالة مؤمنا لأنها تأتى بفضلها ، فالحسنة بعشر أمثالها أو أكثر ، وتحسب الحسنة عند اللّه في ميزان العدالة بما أخذ من الفضل ، فلا يقولن واحد : إن هناك عدلا من اللّه بدون فضل .