إذن فقول الحق :
« وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
هو بضميمة الفضل إلى العدل . ولذلك نحن ندعو اللّه قائلين : اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ؛ لأن مجرد العدل قد يتعبنا . وندعو اللّه : وبالإحسان لا بالميزان ؛ لأنه لو عاملنا بالميزان قد نتعب .
وندعو اللّه : وبالجبر لا بالحساب ، والجبر هو أن يجبرنا اللّه ، وهكذا نرى أن قوله الحق :
« وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
بلاغ من الحق لنا : أننا سنعدل معكم بالفضل فتكون السيئة بواحدة ، وتكون الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر .
وقوله الحق :
« وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
يعنى فيما قضى به سبحانه متفضلا بالفضل مع العدل . وسبحانه يريد أن يطمئننا على أن قضايا الإيمان يجب أن يحافظ عليها ، فإياك أن تظن أن عملك هو الذي سيعطيك الجزاء ، إنما فضل اللّه هو الذي سيعطيك الجزاء . يقول الحق :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 )
( سورة يونس )
فالفضل هو الذي يفرح قلب المؤمن . ثم يأتي الحق سبحانه ليرد من بعد ذلك على قضية قالها المنافقون حينما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أحد ، ثم قتل من قتل من المسلمين ؛ فقال المنافقون :
« لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا »
ففهموا أن العندية عندهم حصن لهم من الموت ، وأن الذهاب إلى القتال هو الذي يجلب الموت . ونعرف أن كل حدث من الأحداث له زمان وله مكان ونسميه الظرف .
إن الذين درسوا « الظرف » في النحو يقولون : « ظرف زمان أو ظرف مكان » ، فكل حدث من الأحداث لا بد أن يوجد له زمان ومكان . والزمان في الموت مبهم والمكان في الموت أيضا مبهم ، فظرف حدث الموت زمانا أو مكانا مبهم ، وحين يبهم اللّه شيئا ؛ فلا تظنوا أنه يريد أن يخفيه ويغمضه علينا ، إن الحق يبهم الأمر ليوضحه أوضح بيان ، فالإبهام من عنده أوضح بيان ، كيف ؟ .
إنه سبحانه حين يجهلنا بزمن الموت ويخفيه علينا فمعنى ذلك أن الإنسان قد يستقبل الموت في أي لحظة ، وهل هناك بيان أوضح من هذا ؟ . فحين جهّلنا بزمن الموت فهو لم يمنع عنا معرفة زمنه ، ولكنه أشاع زمنه في كل زمن ، فلا أحد بقادر على