تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2427

مساهمون:

ص٢٤٢٧
القتال » وكأنهم قد نسوا أنهم طلبوا القتال ، كي نعرف أن النفس البشرية حين تكون بمنأى عن الشئ تتمناه ، وعندما يأتيها تعارضه .
« وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ »
فهل جاء هذا الكلام منهم على سبيل الاستفهام ؟ يوضح اللّه لنا ذلك : إنهم يقولون : يا رب لماذا ابتليتنا هذا الابتلاء ، وقد لا نقدر عليه في ساعة الخوف من لقاء المعارك ؟ لذلك طلبوا أن يؤجل اللّه ذلك وأن يجعلهم يموتون حتف أنوفهم لا بيد العدو ، وكلمة
« إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ »
توضح أن كل واحد منهم يعى تماما أنه سيموت حتما ، لكن لا أحد منهم يريد أن تنتهى حياته بالقتل . ولما ذا تطلبون التأخير ؟ أحبا في الدنيا ومتاعها ؟ ويأتي جواب الحق :
« قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ »
ولا يصح أن تحرصوا عليه أيها المؤمنون حرصا يمنعكم أن تذهبوا لتقاتلوا ، فكلكم ستموتون ، وكل منا يجازيه ربنا على عمله ، أما الذي يقتل في سبيل اللّه فسيجازيه على عمله فورا ، ويعطيه حياة أخرى مقابل الموت . لأنه سيأخذ الشهادة ، ولذلك يأمر الحق رسوله بأن يقول :
« قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ »
إن قارنته بما يصل إليه المرء من ثواب عظيم إن قتل في الحرب جهادا في سبيل اللّه . قال بعضهم : إذا كان لا مفر من الموت ، فلماذا لا نذهب لنقاتل في سبيل اللّه ، فإن قتلنا فليكن موتنا بثمن زائد عن عملنا ، إذن فهذا تربيب وتنمية للفائدة ، ولذلك قال الحكيم :
ولو أن الحياة تبقى لحى * لعددنا أضلّنا الشجعان
أي أن الحياة لو كانت تبقى لحى لكان أضل ناس فينا هم الشجعان الذين يقتلون أنفسهم في الحرب ، لكن المسألة ليست كذلك ، والشاعر العربي يقول :
ألا أيها الزاجرى أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى
والمتنبي يقول :
أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه * حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس ورثه التقى * وحب الشجاع النفس أورده الحربا