تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2428

مساهمون:

ص٢٤٢٨
إذن فالاثنان يحبان نفسيهما ، لكن هناك فرق بين الحب الأحمق والحب الأعمق . وعندما ننظر إلى إجمالى السياق في الآية نجد أن الحق سبحانه يربى - في صدر الإسلام - الفئة المؤمنة تربية إيمانية لا تخضع لعصبية الجاهلية ولا لحمية النفس ، ففريق من المؤمنين بمكة الذين ذاقوا الاضطهاد أحبوا أن يقاتلوا ، لكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يبلغهم أنه لم يؤمر بالقتال بعد ، وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يصبروا على ما هم فيه حتى يأذن اللّه بالقتال ، وتلك تربية أولى للفئة المؤمنة ؛ لأن الإسلام جاء وفي نفوس العرب حمية وعصبية وعزة وأنفة ، فكلما أهيج واحد منهم في شئ فزع إلى سيفه وإلى قبيلته وشنها حربا ، فيريد اللّه سبحانه أن يستل من الفئة المؤمنة الغضب للنفس والغضب للعصبية والغضب للحمية ، وأراد أن يجعل الغضب كله للّه . وحينما جاء الإذن بالقتال ، جاء لا ليفرض على الناس عقيدة ، ولا ليكرههم على إسلام ، وإنما جاء ليحمى النفس الإنسانية من أن يتسلط عليها الأقوى الذي يريد أن يجعل الأضعف تبيعا له ، فأراد سبحانه أن يحرر الاختيار في الإنسان فكان القتال حفاظا على كرامة الإنسان أن يكون تبيعا في العقيدة لغيره ، وبعد ذلك يعرض قضية الإسلام عرضا عقليا ؛ فمن استجاب له فمرحبا به ، ومن لم يستجب فله أن يظل على دينه . وهذا يدل على أن الإسلام دين منع التسلط على عقائد الناس ، وضمن لهم الحرية في أن يختاروا ما يحبون من العقائد بعد أن بين لهم الرشد من الغى . وحينما شرع اللّه القتال فقد شرعه دون أن يكون هناك أدنى تدخل لغضب النفس ولا لحميتها ولا لعزتها ، ويشاء الحق سبحانه وتعالى أن يصور العواطف الإنسانية التي تواجه الإسلام ويواجهها الإسلام تصويرا طبيعيا . فبين لنا أن الطبع الإنسانى يعالج بالتربية ، ولهذا نجد أن بعضا من الذين طلبوا القتال خافوا :
« إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً » .
إذن فهناك فرق بين نظرية أن نقاتل ، وأن نخوض القتال بالفعل ؛ لذلك تجد أن منهم من خاف الذهاب إلى القتال خشية أن يقتلوا ، والقتل كما تعلمون : هدم بنية ، ولكن الموت حتف الأنف هو الذي يسحب به اللّه الروح الإنسانية ، دون
تفسير الشعراوي — صفحة 2428 | محمد متولي الشعراوي