نعرف أن الحق ساعة يقول :
« أَ لَمْ تَرَ »
يعنى : إن كانت مرئية في زمنها ، فلك أن تتأمل الواقعة على حقيقتها ، وإن كانت غير مرئية فمعناها : ألم تعلم ، ولكن العلم بإخبار اللّه أصدق من العين . وحين يقول الحق :
« كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ »
لا بد أن تكون بوادر مدّ الأيدي موجودة ، فلن يقال لواحد لم يمد يده : كف يدك .
والكلام هنا في القتال ، فيكون قد كفوا أيديهم عن القتال ، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جاء في المقابل فقال :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ »
إذن فقد قيل لهم :
« كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ »
لأن بوادر مدّ الأيدي للقتال قد ظهرت منهم إما قولا بأن يقولوا : دعنا يا رسول اللّه نقاتل ، وإما فعلا بأن تهيأوا للقتال . وعندما يقول القرآن :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ »
دل هذا القول على وجود زمنين بصدد هذه الآية : زمن قيل لهم :
كفّوا أيديكم ، وزمن كتب عليهم القتال ، فنفهم من هذه أنه كانت هناك بوادر لمدّ اليد إلى القتال قبل أن يكتب عليهم القتال والذين قالوا : دعنا نقاتل هم : ابن عوف وأصحاب له ، ولو كان الأمر بالقتال متروكا للرسول لكان قد أمرهم بمجرد أن قالوا ذلك .
عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة . فقالوا : يا نبي اللّه ، كنا في عزة ، ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة قال : « إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم » فلما حوله اللّه إلى المدينة أمره بالقتال ، فكفوا ، فأنزل اللّه
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ »
« 1 » .
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي حاتم ، ورواه النسائي والحاكم .
( راجع أصله وخرّج أحاديثه د . أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )