تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2422

مساهمون:

ص٢٤٢٢
ربه ، فلا بد أن يكون كيده ضعيفا جدا بالقياس لكيد اللّه ، وليس للشيطان سلطان يقهر قالب الإنسان على فعل ، ولا يستطيع أن يرغمك على أن تفعل ، وليس له حجة يقنعك بها . والفرق بين من يكره القالب - قالبك - : أنك تفعل الفعل وأنت كاره . كأن يهددك ويتوعدك إنسان ويمسك لك مسدسا ويقول لك : اسجد لي - مثلا - إذن فقد قهر قالبك . لكن هل يقدر أن يقهر قلبك ليقول : « أحبني » ؟ . لا يمكن . إذن فالمتجبر يستطيع أن يكره القالب لكنه لا يقدر أن يقهر القلب ، فالذي يقهر القلب هو الحجة والبرهان ، بذلك يقتنع أن يفعل الفعل وليس مرغما عليه . إذن فالأول يكون قوة ، والثاني يكون حجة . والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : اعرفوا أن هذا الشيطان ضعيف جدا ، فهو لا يملك قوة أن يرغمك فإذا أغواك تستطيع أن تقول له : لن أفعل . . ولا يستطيع أن يأتي لقلبك ويقول لك : لا بد أن تفعل ويحملك على الفعل قهرا عنك . فليس عنده حجة يقنعك بها لتفعل ، فهو ضعيف ، فلماذا تطيعونه إذن ؟ . إنكم تطيعونه من غفلتكم وحبكم للشهوة ، والشيطان لا يقهر قلبكم ، ولا يقهر قالبكم . بل يكتفى أن يشير لكم ! ! ، ولذلك سيقول الشيطان في حجته يوم القيامة على الخلق :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
( من الآية 22 سورة إبراهيم ) أي لم يكن لي عليكم سلطان : لا سلطان قدرة أرغمكم على فعلكم بالقالب ، ولا سلطان حجة أرغمكم على أن تفعلوا بالقلب ، أي أنتم المخطئون وليس لي شأن ، إذن فكيد الشيطان ضعيف . و « الكيد » - كما نعرف - هو : محاولة إفساد الحال بالاحتيال ، فهناك من يفسد الحال لكن ليس بحيلة ، وهناك من يريد أن يفسدها بحيث إذا أمسكت به يقول لك : لم أفعل شيئا ؛ لأنه يفعل الخطأ في الخفاء . ويفسد الحال بالاحتيال . والكيد لا يقبل عليه إلا الضعيف . إن القوى هو من يواجه من يكيد له ، فالذي يدسّ السّم لإنسان آخر في القهوة