تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2418

مساهمون:

ص٢٤١٨
وساعة يطرح ربنا مثل هذه القضية يطرحها على أساس أن كل الناس يستوون عند رؤيتها في أنها تكون مثارا للعجب لديهم ، مثلها مثل قوله الحق :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
( من الآية 28 سورة البقرة ) يعنى كيف تكفرون بربنا أيها الكفار ؟ إن هذه مسألة عجيبة لا تدخل في العقل ، فليقولوا لنا إذن : كيف يكفرون بربنا ؟
« وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ »
وكلمة « والمستضعفين » يأتي بعدها
« مِنَ الرِّجالِ »
والمفروض في الرجل القوة ، وهذا يلفتنا إلى الظرف الذي جعل الرجل مستضعفا ، ومن يأتي بعده أشد ضعفا .
« الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً »
فقد بلغ من اضطهاد الكفار لهم أن يدعوا اللّه أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها ، والقرية هي « مكة » . وقصة هؤلاء تحكى عن أناس من المؤمنين كانوا بمكة وليست لهم عصبية تمكنهم من الهجرة بعد أن هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهم ممنوعون من أن يهاجروا ، وظلوا على دينهم ، فصاروا مستضعفين : رجالا ونساء وولدانا ، فالاضطهاد الذي أصابهم اضطهاد شرس لم يرحم حتى الولدان ، فيقول الحق للمؤمنين :
« وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ » .
وهؤلاء عندما استضعفوا ما ذا قالوا ؟ . قالوا :
« رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا »
وعبارة الدعاء تدل على أنهم لن يخرجوا بل سيظل منهم أناس وثقوا في أنه سوف يأتيهم ولىّ يلي أمرهم من المسلمين ، فكأنها أوحت لنا بأنه سيوجد فتح لمكة . وقد كان . لقد جعل اللّه لهم من لدنه خير ولىّ وخير ناصر وهو محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر .