تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2416

مساهمون:

ص٢٤١٦
فساعة يتكلم سبحانه عن ذاته فهو يتكلم بالوحدانية ، ولا تقل بالإفراد تأدبا مع اللّه فليس له شريك أو مثيل ، وحينما يتكلم سبحانه عن فعله يأتي بالجمع فيقول : « نحن » وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة ، مثلما حدث عند قراءة قول الحق سبحانه وتعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها
( من الآية 27 سورة فاطر ) لقد جاء سبحانه في صدر الآية ب « أنزل » وكان يناسبها أن يأتي بعدها « أخرج » ، لكنه قال :
« فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها »
فلما ذا هذه « مفردة » وتلك « جمع » ؟ ؛ لأنه ساعة قال :
« أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً » *
لم يكن لأحد من خلقه ولو بالأسباب فعل في إنزال المطر ، لكن ساعة أن أنزل المطر ، نجد واحدا قد حرث الأرض ، وثانيا بذر ، وثالثا روى الأرض ، وكل ذلك من أسباب خلقه ، فلم يهضم اللّه خلقه فقال :
« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً »
ثم بعد ذلك : أنا وخلقي بما أمددتهم ومنحتهم
« فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها » .
إذن فلا بد أن ننتبه إلى دلالة الكلمة حين تأتى بالمفرد وحين تأتى بالجمع . وقوله سبحانه :
« نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً »
يلفتنا إلى أن كل فعل إنما هو حدث يتناسب مع فاعله أثرا وقوة . فالطفل عندما يصفع آخر لا تكون صفعته في قوة الشاب أو قوة الرجل ، فإذا كان الذي يعطى الأجر مثيلا لك فسيعطيك أجرا على قدره ، لكن إذا كان من يعطى هو ربنا ، فسيعطى الأجر على قدره ، ولا بد أن يكون عظيما . والأجر هو الشئ المقابل للمنفعة . وهناك فرق بين الأجر والثمن ؛ فالثمن مقابل العين ، أما الأجر فهو مقابل المنفعة ، أنا اشتريت هذه ، فهذا يعنى أنى دفعت ثمنا ، لكن إن استأجرت شيئا فهو لصاحبه ولكن أخذته لأنتفع به فقط ، وجزاء الحق لمن يقتل في سبيل اللّه أهو أجر أم ثمن ؟ ، ونلتفت هنا أن الحق قد أوضح : أنا لم أثمن من قتل ، بل نظرت لعمله ، فأخذت أثر عمله ، وأعطيته
« أَجْراً عَظِيماً »
.