لحياته ونفسه ، فكل الأمور بالنسبة للإنسان نفعية حتى في الدين ، ولذلك يقولون :
لا تكن أنانيا رخيصا بل عليك أن تكون أنانيا غاليا ، والدين هو ممارسة لأنانية عليا .
ونضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - الذي ليس معه إلا جنيه وهو يحتاج إليه ثم رأى واحدا في حاجة ماسة ، فيقول المؤمن لنفسه : لقد أكلت ، وقد يكون هذا الإنسان لم يأكل بعد فلأعطه الجنيه .
باللّه أهو يحب الذي أخذ الجنيه عن نفسه ؟ لا ، بل هو يحب نفسه ، لكنها أنانية عليا ؛ أنانية معلاة . وسبق أن قلنا : إن الذي يجلس ويرى امرأة جميلة فغض عينه أمره يختلف عن واحد آخر « يبحلق » ويحدّق وينظر إليها بشدة ، فأيهما يحب الجمال أكثر ؟ إن الذي غضّ بصره هو من يحب الجمال أكثر ؛ لأنه لا يريدها لحظة فقط ، بل يريدها مستديمة .
فما بالنا بالذي يبيع الدنيا ويقتل في سبيل اللّه ويأخذ الآخرة التي ليس فيها قتل أو أي شئ مكدر ؟ إذن فهذه أنانية عليا ، والحق سبحانه وتعالى يعاملنا بقانون النفعية ، لكنها نفعية عليا وليست نفعية رخيصة أو قصيرة المدى ، فيجعلنا نبيع الرخيص بالثمن الغالي .
ولقد رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذين يقاتلون في سبيل اللّه وعرض عليه منظرهم وهو في ليلة الإسراء والمعراج ، رأى صلى اللّه عليه وسلم جماعة يزرعون ويحصدون بعد البذر مباشرة ؛ لأن الذي قتل في سبيل اللّه إنما فعل ذلك إعلاء لكلمة اللّه ، فلا ينتهى قطفه أبدا للخير الذي بذله ، وحياته مستمرة في حياة الملايين .
« وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً »
وعرفنا أن كل مؤمن يقاتل في سبيل اللّه إنما يقول لمعسكر الكفر ما جاء به الحق في قوله :
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
( 52 )
( سورة التوبة )