تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2414

مساهمون:

ص٢٤١٤
فالمؤمن يعلم أنه إما أن يقتل ويكون شهيدا ، وإما أن يغلب معسكر الكفر . وهو يتربص بالكافرين أن يصيبهم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين ، إذن فالمؤمنون رابحون على كل حال ، والكافرون خاسرون على كل حال . و « المعرى » قبل أن يهديه اللّه وكان متشككا قال :
تحطمنا الأيام حتى كأننا * زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
فقالوا : إنه ينكر البعث ، فمادام قد جاء بمثل يقول فيه إن الإنسان كالزجاج إن تحطم فلن يستطيع أحد أن يعيده إلى سيرته الأولى ، قال ذلك أيام تكبر الفكر ، وهذه تأتى في أيام الغرور ، ثم جاءت الأحداث لتلويه وتضرب في فكره وينتهى إلى الإيمان ، لكن أكان ضامنا أن يعيش حتى يؤمن ؟ فلما ذا لم يخلص نفسه من مرارة تجربة الشك ؟ ولكنه بعد أن آمن قال : « هأنذا أموت على عقيدة عجائز أهل نيسابور . ربنا حقّ وربنا سميع وربنا بصير وقال :
زعم المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صحّ قولكما فلست بخاسر * أو صحّ قولي فالخسار عليكما
أي إن صحّ قولكما على أنه لا بعث وقمت أنا بالأعمال الطيبة في الدنيا ، فماذا أكون قد خسرت ؟ إنني لن أخسر شيئا ، وإن صحّ قولي وفوجئتم بالآخرة والبعث فأنا الذي يكسب والخسران والبوار والعذاب عليكما ، إذن فإيمانى إن لم ينفعني فلن يضرني ، وكلامكما حتى لو صح - وهو غير صحيح ولا سديد - فلن يضرني . والحق يقول :
« وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً »
وسبحانه هنا يطيل أمد العطاء . انظروا دقة الأداء القرآني ، لأن الذي يتكلم هو اللّه ، ولنر كيفية ترتيب فعل على فعل ، فحين أقول لك : « احضر لي أكرمك » ، فبمجرد الحضور يحدث الإكرام ، ولكن إن قلت لك : « إن حضرت إلىّ فسأكرمك » ، فهذا يعنى أن الزمن يمتد قليلا ، فلن تكرم من فور أن تأتى بل أنت تحضر عندي وبعد ذلك تأخذ تحيتك ، ويأتيك الإكرام بعد قليل .
تفسير الشعراوي — صفحة 2414 | محمد متولي الشعراوي