إنك إن قيدت حرية الاختيار بالإكراه فقد أخذت النعمة التي أعطيتها له ، وجعلته مقهورا مسخرا مكرها ؛ ولذلك فالمكره لا يكون له حكم على الأشياء بل هو مجبر ومسخر .
وما دمت تقول : إن العقل هو الذي يختار بين البديلات ، فلا بد أن يكون حق الاختيار موجودا ، فإن كان في الإنسان عطب كأن يكون مجنونا ، فلا اختيار له ، وإن كان العقل موجودا لكنه لم ينضج بعد نقول أيضا : لا اختيار .
إذن فلا بد أن يكون العقل موجودا وناضجا للاختيار بين البديلات ، ويكون للإنسان حرية أن يختار ، فإن لم يكن العقل موجودا فهو مجنون فلا تكليف له .
والمجنون قد سلبه اللّه أعز ما أعطى للإنسان وهو العقل ، لكن أعفاه اللّه أن يسأله أحد عن شئ ، فيفعل ما يفعل دون سؤال ، فلا تكليف لمجنون ، فالتكليف إذن لصاحب العقل الناضج ، وكذلك لا تكليف من قبل البلوغ .
إذن فالإسلام جاء ليحمى كرامة الإنسان في حرية الاختيار ، ويعرض عليك أمر الإيمان ، فالذي حمل السيف ، لم يحمله ليجبر أحدا على الإيمان ، إنما ليرد كيد من أرادوا قهر الناس ، والجزية إنما فرضت لإعفاء غير المسلمين من مسؤولية القتال ، ولو كان الإسلام يفرض الإيمان على الناس في البلاد التي فتحها لما وجدنا أتباع أي دين في البلاد التي دخلها الإسلام . وهذه شهادة للمسلمين .
إن الإسلام لم يجئ ليفرض دينا وإنما جاء ليحمى حرية اختيار الدين ؛ والّذين يقولون : إن الإسلام جاء بالسيف نقول لهم : افهموا جيدا ، لقد كان المؤمنون الأوائل ضعافا وظلوا على الضعف مدة طويلة ، والبلاد التي فتحت بالإسلام ما زال فيها أناس غير المسلمين ، وهذا دليل أن الإسلام جاء ليحمى حرية الاختيار :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
( من الآية 29 سورة الكهف )
ثم نأتى لنقطة أخرى وهي أن الإسلام لم يأخذ الجزية إلا لأن غير المسلم سيستمتع