تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2391

مساهمون:

ص٢٣٩١
والصديقين ، والشهداء ، والصالحين . وقد يقول قائل : كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة ؛ على الرغم من اختلاف أعمالهم في الدنيا ، أليس اللّه هو القائل :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
( 39 ) ( سورة النجم ) ونقول : ما دام المؤمن أطاع اللّه وأطاع الرسول ، أليس ذلك من سعيه ؟ فهذه الطاعة والمحبة للّه ولرسوله هي من سعى العبد ؛ وعلى ذلك فلا تناقض بين الآيتين ؛ لأن عمل الإنسان هو سعيه ، ويصبح من حقه أن يكون في معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين . وقد تكون الصحبة تكريما لهم جميعا ليأنسوا بالصحبة ، وهذه المسألة ستشرح لنا قوله :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
( من الآية 43 سورة الأعراف ) فساعة يرى واحد منزلته في الآخرة أعلى من آخر ، إياك أن تظن أنه سيقول : منزلتي أعلى من هذا ؛ لأنه ما دام قد ترك الأسباب في الدنيا وعاش مع مسبب الأسباب ، فهو من حبه للّه يحب كل من سمع كلام ربنا في الدنيا فيقول لكل محب للّه : أنت تستحق منزلتك ، ويفرح لمن منزلته أعلى منه . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - لنفرض أن هناك فصلا فيه تلاميذ كثيرة ، بعضهم يحب أن ينجح فقط ، وبعضهم يحب العلم لذات العلم ، وعندما يجد عشاق العلم تلميذا نجيبا ، أيكرهونه أم يحبونه ؟ إنهم يحبونه ويسألونه ويفرحون به ويقولون : هذا هو الأول علينا ؛ لأنه لا يحب نفسه بل يحب الآخرين ، فكذلك المؤمن الذي يكون في منزلة بالجنة ويرى غيره في منزلة أعلى ، إياك أن تقول إن نفسه تتحرك عليه بالغيرة ، لا . لأنه من حبه لربه وتقديره له يحب من كان طائعا للّه ويفرح له ، مثله مثل التلميذ الذي ينال مرتبة عالية فيحب التفوق للآخرين من غير حقد . وهكذا نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لا تخدش قول الحق :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » .