تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2389

مساهمون:

ص٢٣٨٩
مقاتلا فكما أن الشهداء لهم فضل ؛ فالذين بقوا بدون استشهاد لهم فضل . فالإسلام يريد أدلة صدق على أن دعوته حق ، وهذه لا يثبتها إلا الشهداء . لكن هل يمكن أن نصبح جميعا شهداء ؟ ومن يحمل منهج اللّه إلى الباقين ؟ إذن فنحن نريد من يبقى ومن يذهب للحرب ، فهذا له مهمة وهذا له مهمة ، ولذلك كانت « التقية » وهي أن يظهر رغبته عن الإسلام ويوالى الكفار ظاهرا وقلبه مطمئن بالعداوة لهم انتظارا لزوال المانع وذلك استبقاء لحياته كي يدافع ويجاهد في سبيل اللّه . وسببها أن الإسلام يريد من يؤكد صدق اليقين في أن الإنسان إذا قتل في سبيل اللّه ذهب إلى حياة أفضل وإلى عيش خير ، هذا يثبته الشهيد . ولذلك فالحق سبحانه وتعالى عندما تأتيهم غرغرة الشهادة يريهم ما هم مقبلون عليه ، فيتلفظون بألفاظ يسمعها من لم يقبل على الشهادة ، فهناك من يقول : هبى يا رياح الجنة ، ويقول كلمة يتبين منها أنه ينظر إلى الجنة كي يسمع من خلفه ، ومفرد شهداء ، إما شهيد وهو الذي قتل في سبيل اللّه ، وإمّا هي جمع شاهد ، فيكون الشهداء هم الذين يشهدون عند اللّه أنهم بلغوا من بعدهم كما شهد رسول اللّه أنه بلغهم . والمعاني كلها تدور حول معنى أن يشهد شيئا يقول به وبذلك نعرف أننا نحتاج إلى الاثنين : من يقتل في سبيل اللّه ، ومن يبقى بدون قتل في سبيل اللّه ؛ لأن الأول يؤكد صدق اليقين بما يصير إليه الشهيد ، والثاني يعطينا بقاء تبليغ الدعوة فهو شاهد أيضا :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
( من الآية 143 من سورة البقرة ) و « الصالحين » والصالح هو المؤهل لأن يتحمل مهمة الخلاقة الإيمانية في الأرض . فكل شئ يؤدى نفعا يتركه على حاله ، وإن أراد أن يزيد في النافع فليرق النفع منه ، فمثلا : الماء ينزل من السماء ، وبعد ذلك يكون جداول ، ويسير في الوديان ، وتمتصه الأرض فيخرج عيونا ، فعندما يرى عينا للمياه فهو يتركها ولا يردمها فيكون قد ترك الصالح على صلاحه ، وهناك آخر يرقى النفع من تلك النعمة فيبنى حولها كي يحافظ عليها . إذن فهذا قد أصلح بأن زاد في صلاحه .