تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2394

مساهمون:

ص٢٣٩٤
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
( من الآية 79 سورة المائدة ) إذن فقد فسدت مناعة الذات ، ولا توجد مناعة في المجتمع ، فتتدخل - إذن - السماء . لكن الحق فضل أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وميزها على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائما في ذوات أفرادها . فإن لم تكن في ذوات الأفراد ففي المجموع ، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيمانى من فرد يقول : لا . ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فلو كانت ستحدث طامة وفسد بها المجتمع ولا نجد فيه من يقول : لا . . لكان ولا بد أن يأتي رسول ، لكن محمدا كان خاتم النبيين ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى فضل أمة محمد بأن جعل وازعها دائما إما من ذاتها بحيث يرد كل فرد نفسه وتكون نفسه لوّامة ، وإمّا مناعة في المجتمع وكل واحد فيه يوصى ، وكل واحد يوصى ، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى :
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 ) ( سورة العصر ) تواصوا لماذا ؟ لأن النفس البشرية أغيار ، فقد تهيج نفسي لأخرج عن المنهج مرة ؛ فواحد آخر ينهانى ، وأنا أردها له وأهديه وأرشده إلى الصراط المستقيم ، وواحد آخر أخطأ فأنا أقول له وأنهاه . إذن فقوله : « وتواصوا » يعنى : ليكن كل واحد منكم موصيا وموصى . فكلنا ينظر بعضنا ويلاحظه ؛ من ضعف في شئ يجد من يقوّمه ، فلا ينعدم أن يوجد في الأمة المحمدية موص بالخير وموصى أيضا بالخير ، وتوجد في النفس الواحدة أنه موص في موقف وموصى في موقف آخر ؛ بحيث لا يتأبى إن وصاه غيره ؛ لأنه كان يوصى بالأمس ، وكما قالوا : « رحم اللّه امرأ أهدى إلى عيوبى » . وبعد أن استكمل الحق بناء البيئة الإيمانية برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصرتم أنتم آخر الأمم . فهو سبحانه يطمئننا على أن الشر لا يطم عندنا وستبقى فينا مناعة إيمانية حتى وإن لم يلتزم قوم فسيلتزم آخرون . وإن لم يلتزم الإنسان في كل