وهناك بحث آخر في قوله الحق :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » .
ف « اللام » تفيد الملك والحق ، كقولنا : ليس لك عندي إلا كذا ، أي أن هذا حقك ، فقوله :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى »
أي هي حق للمؤمن وقد حددت العدل في الحق ولم تحدد الفضل ، ولذلك قال بعدها :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 70 ]
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 )
فالفضل من اللّه يستمد حيثيته من سعى الإنسان ، فقوله :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى »
حددت الحق الذي لك والذي توجبه عدالة التكليف ، لكن ربنا لم يقل : إن هذا العطاء للّه من الحق والعدل . بل هو من الفضل ، والفضل من اللّه هو مناط فرح المؤمن ؛ لأنك مهما عملت في التكليف فلن تؤديه كما يجب بالنسبة للّه ، ولذلك أوضح سبحانه لنا : تنبهوا . . أنا كلفتكم وقد تعملون وتجتهدون ، لكن لا تفرحوا مما سيجمعه هذا العمل من حسنات ، ولكن سيكون فرحكم بما يعطيكم ربكم من فضله قال سبحانه :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 )
( سورة يونس )
وذلك الفضل من اللّه يرد على من يقول : كيف يجئ « ثوبان » أو من دون « ثوبان » ويكون في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء ومع الصالحين ، ونقول :
لو لم تكن منزلته أدنى لما كان في ذلك تفضل ، إنه ينال الفضل بأن كانت طاعته للّه ولرسوله فوق كل طاعة ، أما حبه للّه وللرسول ، فهذا من سعيه وعمله بتوفيق اللّه له - وما توفيقي إلا باللّه - والفضل هو مناط فرح المؤمن ،
« ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً » .
ونحن نرضى ونفرح ونكتفي بعلم اللّه ؛ لأنه سبحانه يرتب أحكامه على علم شامل ومحيط ، ويعرف صدق الحب القلبي وصدق الودادة ،