تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2371

مساهمون:

ص٢٣٧١
شقاء أعنف وأبقى وأخلد ، ولست أمينا على نفسك . والنفس - كما نعلم - تطلق على اجتماع الروح بالمادة ، وهذا الاجتماع هو ما يعطى النفس الإنسانية صفة الاطمئنان أو صفة الأمارة بالسوء ، أو صفة النفس اللوامة . وساعة تأتى الروح مع المادة تنشأ النفس البشرية . والروح قبلما تتصل بالمادة هي خيّرة بطبيعتها ، والمادة قبلما تتصل بالروح خيّرة بطبيعتها ؛ فالمادة مقهورة لإرادة قاهرها وتفعل كل ما يطلبه منها . فإياك أن تقول : الحياة المادية والحياة الروحية ، وهذه كذا وكذا . لا . إن المادة على إطلاقها خيّرة ، طائعة ، مسخّرة ، عابدة ، مسبّحة . والروح على إطلاقها كذلك ، فمتى يأتي الفساد ؟ . ساعة تلتقى الروح بالمادة ويوجد هذا التفاعل نقول : أنت يا مكلف ستطمئن إلى حكم اللّه وتنتهى المسألة أم ستبقى نفسك لوّامة أم ستستمرىء المعصية وتكون نفسك أمارة بالسوء ؟ فمن يظلم من إذن ؟ . إنه هواك في المخالفة الذي يظلم مجموع النفس من روحها ومادتها ، فأنت في ظاهر الأمر تحقق شهوة لنفسك بالمخالفة ، لكن في واقع الأمر أنك تتعب نفسك ،
« وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » .
ولنعلم أن هناك فرقا بين أن يأتي الفاحشة إنسان ليحقق لنفسه شهوة . وأن يظلم نفسه ، فالحق يقول :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
( من الآية 135 سورة آل عمران ) إذن فارتكاب الفاحشة شئ وظلم النفس شئ آخر ، « فعل فاحشة » قد متع إنسان نفسه قليلا ، لكن من ظلم نفسه لم يفعل ذلك . فهو لم يمتعها ولم يتركها على حالها ، إذن فقد ظلم نفسه ؛ لا أعطاها شهوة في الدنيا ؛ ولم يرحمها من عذاب الآخرة ، فمثلا شاهد الزور الذي يشهد ليأخذ واحد حقّ آخر ، هذا ظلم قاس للنفس ، ولذلك قال الرسول : « بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح