يوعدهم الوعيد الذي يخيفهم كي يبلغ من أنفسهم مبلغا ، أو
« قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ »
أي افضح لهم ما يسترون ؛ كي يعرفوا أن اللّه مطلعك على ما في أنفسهم فيستحوا من فعلهم ولا يفعلوه ، قل لهم ذلك بدون أن تفضحهم أمام الناس ؛ لأن عدم فضحهم أمام الناس يجعل فيهم شيئا من الحياء ، وأيضا لأن العظة تكون ذات أثر طيب إذا كان الواعظ في خلوة مع الموعوظ فيناجيه ولا يفضحه ، ففضح الموعوظ أمام الناس ربما أثار فيه غريزة العناد ، لكن عندما تعظه في السرّ يعرف أنك لا تزال به رحيما ، ولا تزال تعامله بالرفق والحسنى .
« وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ »
وإنك لو فعلت ذلك علنا فستعطى الأسوة لغيرك أن يفعل . واللّه قد أطلعك على ما في قلوب هؤلاء من الكفر أما غيرك فلا يطلعه اللّه على غيب ولو رمى أحدا بذنب أو كفر فلعله لا يصادف الحق والواقع وتشريعنا يقول لنا :
« ادرأوا الحدود بالشبهات » .
والتطبيق لهذا التشريع نجده عندما يتم القبض على سارق ، لكن هناك شبهة في الاتهام ، هذه الشبهة يجب أن تفسر في صالح المتهم ، وندرأ الحد لوجود شبهة ؛ فليس من مصلحة المسلمين أن نقول كل يوم : إننا قطعنا يد سارق أو رجمنا زانية .
لكن إذا افتضحت الجرائم وليس في ارتكابها شبهة والمسألة واضحة فلا بد أن نضرب على أيدي المجرمين . فنحن ندرأ الحد بالشبهة حتى لا نلحق ضررا أو ننال من برئ ، ونطبق الحد حتى يرتدع كل من تسول له نفسه أمرا محرّما حتى لا يرتكب الأمر المحرّم . وعندما يقام الحدّ في أي بيئة ، فإنه لا يقام إلا لفترة قليلة وتتراجع بعدها الجرائم ، ولا يرى أحد سارقا أو زانيا .
إذن فقول اللّه :
« وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً »
يعنى : قل لهم ما يهددهم تهديدا يصل إلى أعماق نفوسهم ، أو
« وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ »
بأن تكشف مستورات عيوبهم أو قل لهم في أنفسهم بينك وبينهم ؛ لأن هذا أدعى إلى أن يتقبلوه منك ولا يوغر صدورهم ويثير فيهم غريزة العناد .
ويقول الحق بعد ذلك :