تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2366

مساهمون:

ص٢٣٦٦
ففي القانون الوضعي نجد بشرا يقع عليهم عبء الظلم لأنه قانون لا يستوعب صيانة الإنسان صيانة شاملة ، وبعد حين من الزمن يتدخل المشرعون لتعديل قوانينهم ، وإلى أن يتم التقنين يقع البشر في دائرة الغبن وعدم الحصول على العدل . أما الخالق سبحانه فقد برأ وخلق صنعته وهو أعلم بها ؛ لذلك لم يغبن أحدا على حساب أحد ؛ فوضع تشريعاته السماوية ، ولذلك يقول الحق :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( من الآية 82 سورة الإسراء ) « شفاء » إذا وجد الداء من غفلة تطرأ علينا ، « ورحمة » وذلك حتى لا يأتي الداء . الحق سبحانه وتعالى يقول :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً » .
إنه - سبحانه - يضع من الأحداث ما يفضحهم فيتصرفون بما يكشف نفاقهم ، وبعد ذلك يخطرهم الرسول ويعرف عنهم المجتمع أنهم منافقون . وهم
« يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً »
أي يعرضون عنك يا رسول اللّه لأنهم منافقون ، وكل منافق عنده قضيتان : قضية لسانية وقضية قلبية ؛ فهو باللسان يعلن إيمانه باللّه وبرسول اللّه ، وفي القلب تتعارض ملكاته عكس المؤمن أو الكافر ، فالمؤمن ملكاته متساندة ؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى ، والكافر أيضا ملكاته متساندة ؛ لأنه قال : إنه لم يؤمن ويقوده انسجام ملكاته إلى الضلال ، لكن المنافق يبعثر ملكاته ! ! ملكة هنا وملكة هناك ، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار ، الكافر منطقي مع نفسه ، فلم يعلن الإيمان ؛ لأن قلبه لم يقتنع ، وكان من الممكن أن يقول كلمة الإيمان لكن لسانه لا يرضى أن ينطق عكس ما في القلب ، وعداوته للإسلام واضحة . أما المنافق فيقول : يا لساني . . أعلن كلمة الإيمان ظاهرا ؛ كي أنفذ من هذا الإعلان إلى أغراضي وأن تطبّق علىّ أحكام الإسلام فأنتفع بأحكام الإسلام ، وأنا من صميم نفسي إن وجدت فرصة ضد الإسلام فسأنتهزها . ولذلك يقول الحق :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 62 ]

فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 )