تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2360

مساهمون:

ص٢٣٦٠
أما الأمر بطاعة أولي الأمر فقد جاءت بالعطف على المطاع دون أمر بالطاعة ، مما يدل على أن طاعة ولىّ الأمر ملزمة إن كانت من باطن طاعة اللّه وطاعة رسوله ، وفي ذلك عصمة للمجتمع الإيمانى من الحكام المتسلطين الذين يحاولون أن يستذلوا الناس بقول اللّه :
« وَأُولِي الْأَمْرِ »
ويدعون أن طاعتهم واجبة ، يقول الواحد منهم : ألست ولى أمر ؟ . فيرد العلماء : نعم أنت ولى أمر ولكنك معطوف على المطاع ولم يتكرر لك أمر الطاعة ، فدلّ ذلك على أن طاعتك واجبة إن كانت من باطن الطاعتين . فإن لم تكن من باطن الطاعتين فلا طاعة لك ، لأن القاعدة هي « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » ، هكذا قال أبو حازم لمسلمة بن عبد الملك حينما قال له : ألسنا ولاة الأمر وقد قال اللّه :
« وَأُولِي الْأَمْرِ » .
قال : ويجب أن نفطن أيضا إلى أنها نزعت في قوله سبحانه :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » .
إذن فالحاكم المسلم مطالب أولا بأداء الأمانة ، ومطالب بالعدل ، ومطالب أيضا أن تكون طاعته من باطن طاعة اللّه وطاعة رسوله . فإن لم تكن فيه هذه الشروط ، فهو حاكم متسلط .
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ »
إذن فالتنازع لا بد من أن يكون في قضية داخلة في نطاق مأمورات الطاعة ، ويجب أن يكون لها مردّ ينهى هذا التنازع
« فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » .
والذين يعرفون هذه الأحكام هم العلماء ، فإن تنازع المحكوم مع الحاكم نذهب إلى العلماء ليبينوا لنا حكم اللّه في هذه المسألة ، إذن فإن أريد ب « أولي الأمر » الحاكم ، نقول له :
« فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ »
أي على الحاكم أن يتبع ما ثبت عن اللّه والرسول ، والحجة في ذلك هم العلماء المشتغلون بهذا الأمر ، وهم الملاحظون لتنفيذ حكم اللّه بما يعرفونه عن الدين . والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا ذلك ، يريد أن ينهى مسألة التنازع ، لأن التنازع يجعل حركات الحياة متضاربة ، هذا يقول بكذا وذلك يقول بكذا ، فلا بد أن نرده إلى مردّ أعلى ، والحق يقول :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
( من الآية 83 سورة النساء ) إذن فقد يكون المراد بأولى الأمر « العلماء » .