وقانا لفحة الرمضاء واد * سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا * حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا * ألذ من المدامة للنديم
يصد الشمس أنّى واجهتنا * فيحجبها ويأذن للنسيم
والشاعر هنا يصف الموقف حين يسير الإنسان في صحراء ثم ينزل في واد به دوح وهذا الدوح يحنو على الإنسان حنو الأم على طفلها في سن الفطام . وأنه قد سقاهم من مائه ما يلذ . وتصد الشمس عنهم الأشجار الكثيفة ولكن النسيم يمر بين أوراق الشجر . وهكذا نفهم أن كلمة « ظل ظليل » ، أي أن الظل في ذاته مظلل .
وبعد أن تكلم الحق عن الغايات التي تنتظر الصنفين من خلقه : الصنف الذي يتأبى على منهج اللّه ، والصنف الذي يتطامن لمنهج اللّه : الصنف الأول أعد له اللّه النار التي تشوى جلوده ويبدله جلودا غيرها ليذوق العذاب ، والصنف المؤمن الذي أعد اللّه له الجنة ذات المواصفات المذكورة . وبعدما يجعل الغاية واضحة في ذهننا من الكلام عن النار والكلام عن الجنة يلفتنا إلى حكم جديد ؛ لأن النفس تكون كارهة للنار ومحبة للجنة ، وعندما يأتي حكم جديد تتعلق النفس به وتنفذه ؛ لأنها قريبة العهد ، بالترهيب من النار والترغيب في الجنة ، فيجعل الحق هذا الأمر مرة تذييلا لما تقدم ، ومرة أخرى يجعله تمهيدا لما يأتي ؛ كي تستقبل الأحكام الجديدة في ذهنك وتتضح لك الغاية التي تنتظر من التزم ، والغاية التي تنتظر من انحرف .
وعندما يأتي الحكم والغاية متضحة في الذهن ومهيئة للإنسان فالتكليف يوضع في بؤرة الشعور ؛ لأن هناك حاجات كثيرة تعلمها النفس البشرية ، ورحمة اللّه بالخلق أن هذا الرأس الذي فيه حافظة ، وفيه ذاكرة ، وفيه مخيلة ، لا يقدر أن يستوعب كل المعلومات في بؤرة الشعور مرة واحدة ، ولا يمكن أن يجئ لك معنى جديد إلا إذا تزحزح المعنى الذي كنت مشغولا به في ذهنك قليلا عن بؤرة الشعور وذهب إلى حاشية الشعور ، فإن بقي المعنى في مكانه فلن يأتي لك خاطر جديد .
( راجع أصله وخرّج أحاديثه د . أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )